Activités
Sportives
 
   
 
 
 
 
 
 

 
   
 
Le Rôle des couvents dans la renaissance de l'enseignement et de la culture au liban





     

 

دور الأديار في نهضة التعليم والثقافة في لبنان

تصحيح الشوائب وتأكيد الالتزام

 

من المسلمات الأساسية في تاريخ لبنان أنه كان للأديار دور في الثقافة وفي نهضة التعليم. وهذا الموضوع عالجته ندوة عقدت بدعوة من الجامعة الأنطونية في المعهد الأنطوني-بعبدا، وتحدث فيها الرئيس العام للرهبانية المارونية المريمية الأباتي فرنسوا عيد الذي توقف مليًّا عند الماضي داعيًا إلى تغيير الحاضر، والرئيس العام للرهبانية الأنطونية الأباتي سمعان عطاالله مركزًا على دور الدير والتربية وما يجمعهما، والرئيس العام لجمعية المرسلين اللبنانيين الأب خليل علوان الذي اعتبر الدير "صومعة" الثقافة والعلم والفنون.

حضر اللقاء الوزير عبد الله فرحات ممثّلاً رئيس الجمهورية والنائب انطوان حداد ممثّلاً رئيس مجلس النواب والنائب ميشال فرعون ممثّلاً رئيس مجلس الوزراء، والنواب روبير غانم وفؤاد السعد وعاطف مجدلاني والنائب البطريركي المطران رولان أبو جوده ممثلاً البطريرك الماروني، والأمين العام للمدارس الكاثوليكية في لبنانالأب مروان تابت، والأمين العام للجامعة الأنطونية الأب فادي فاضل، السفير الأميركي فنسنت باتل، مدير الوكالة الأميركية للتمنية الدولية رؤوف يوسف.

 

كلمة الأب لويس الرهبان, رئيس الجامعة الأنطونيّة

 

" سعيدٌ أنا إذْ أرحّب بكم جميعاً في هذا الصرحِ التربوي الأثيل الذي، منذُ أجيالٍ، يتعهّدُ  تنشئةَ رجالِ الغد. أشكرُ لكم توافُدَكم لإحياء هذا المنتدى الفكري، الذي إنما أردناه مِهرجانَ وفاءٍ، يعترفُ بجميلِ كلِّ من علّمنا حَرفاً أو حِرفةً.

لقاؤنا هذا يتناغمُ مع مناسباتٍ ثلاث : المناسبةُ الأولى هي شهرُ شباط، وهو في عُرفنا الليتورجي شهرُ المكرسين؛ المناسبةُ الثانية هي عيدُ المعلّمِ نحتفلُ به قريباً إنشاءالله. والثالثةُ هي عيدُ الأمِّ. أوليست الكنيسةُ هي الأُخرى، كما يُحدّدها القولُ المأثورُ : "أمٌّ ومعلِّمة، Mater et Magistra " ؟ المُكرّسونَ تكرّسوا للهِ، ولكنّهم في آنٍ نذروا نفسَهم لخدمةِ الأخِ الانسان، كلِّ إنسانٍ، في المدارسِ والجامعاتِ كما في المؤسساتِ الاستشفائيةِ. بالنسبةِ للراهبِ وللراهبة، التدريسُ هو رسالةٌ يعيشونَ لها ولا يعتاشون منها؛ إنهما يتعاطيانِ مُهمّةَ التربيةِ من موقعٍ فريدٍ مميّز: ليسَ الراهبُ موظّفاً ينتقلُ من عائلته ليداومَ في مركزِ عمله او في حانوته. المدرسةُ والجامعةُ هي في آنٍ بيتُهُ ومُحترفُه. طلاّبُنا هم أبناؤُنا، الأبناءُ الوحيدونَ، إذ لم يَرزقْنا اللهُ سواهم. نعيشُ لهم ليلَ نهار. هذا معنى التكريس.

قُلْتُ إنَّ هذا المِهرجان أردناهُ عيدَ الوفاء. الوفاء للدير الذي في تاريخنا العربي لعبَ دورًا حضاريّاً مميّزًا. فطيلةَ ما يسمّى بعصورِ الانحطاط، كانتِ الثقافةُ العربيةُ قد دخلتْ في سُباتٍ عميق. بعدئذٍ، وعلى إيقاعِ أجراسِ الأديارِ في لبنان استيقظتِ الثقافةُ من نومِها، ودخلنا في عالمِ الحداثةِ والمعرفة. الارتواءُ من هذا المنهَلِ ما جعله الديرُ يومًا حُكرًا على فئةٍ أو طبقة.

من جَور الأيّامِ، والدساتير والأنظمة والمراسيم والتطنيش... نحتكمُ إلى التاريخ العربي ليُنصفَ الديرَ اللبناني ويقولَ فيه كلمةَ حقّ. نحتكم إليه ليدوّنَ بالخطّ العريض أنّه لولا الديرُ اللبناني لكنّا اليومَ كلُّنا نتكلّم اللغةَ التُركية. مدارسُنا، بما فيها مدرسةُ "تحتِ السنديانة" هي التي رعرعتِ المفكّرين والمثقّفين والشعراءَ والعلماء...

على امتدادِ العهدِ العُثماني، ما ذكرتِ اليومياتُ عن أيٍّ من المدارسِ الديريّة أنها وضعتْ في مناهجها تدريسَ اللغةِ التُركية. درّسنا العربية؛ أتقنّا العربيةَ؛ عزّزناها وأغنيناها، فكانَ البساتنةُ واليازجيونَ، والرابطةُ القلميّةُ وجُبران، وجريدةُ الأهرامِ والمسارحُ، ونَتاجُ المطابعِ وصوتُ فيروز...

لا أنوي أبدًا أن أُزايد أو أن أستبقَ ما سيُتحفُنا به المنتدونَ الأكارم. أُسارعُ إذاً إلى أن أُخليَ لهم المنبرَ فهم به أحقّ.

أكرّر شكري وتحيّتي. عِشتم، عاشَ لبنان وعاشَ الديرُ في لبنان!"

 Top

كلمة الأب كرم رزق, رئيس جامعة الروح القدس الكسليك

 

ان "العلم والتعليم يحتلان المركز الأول لدى العائلات اللبنانية، تمامًا قرب الخبز، وهي تضحي بالغالي والنفيس في سبيل تأمينه لأبنائها". وتوقف عند "أهمية الأديرة التي كانت ولما تزل معقل الثقافة والعلم معتبرًا أنه انطلاقًا من روح رسولي أصيل، رعت الرهبانيات شؤون التربية، يوم غابت الدولة أو تلكأت عن القيام بواجبها تجاه هذا القطاع الحيوي، فأسست المدارس وشيدت الجامعات، وأنشأت المطابع، ونشرت الصحف والمجلات، وعمرت المسارح، فشعّ العلم نورًا في ديارنا واجتذب شبان الجوار".

 Top

كلمة الأباتي فرنسوا عيد, رئيس عام الرهبانية المارونية المريمية

 

تناول محور "الرهبانيات والتعليم العالي: خدمة ومنارة للمنطقة"، فقال:

"أشكر لحضرة رئيس الجامعة دعوته الكريمة الى هذه الندوة. فمقاربة هذا الموضوع مهمٌّ لمعرفة التاريخ استذكاراً وافتخاراً لا استكباراً، وللحثّ على المزيد فنحن لا نزال في البدايات".

التربية والتعلّم والتعليم في الكنيسة المارونية هي كلٌّ يتفرّع ولا يتجزّأ. هذه الرسالة وعتها الكنيسة المارونية منذ العام 1470، عندما شرع البطاركة في إرسال بعض الطلاب المتفوقين الى جامعات روما للتحصيل العلمي. بدأت مذّاك الانطلاقة الفعلية نحو التربية والتعليم والحداثة.

فمن المدرسة المارونية الرومانية التي تأسست سنة 1584، الى مدرسة حوقا الإعدادية التي أنشأها البطريرك يوحنا مخلوف سنة 1624، الى مدرسة حلب التي أسسها الدويهي سنة 1666، الى مدرسة عين ورقة التي أسسها البطريرك يوسف اسطفان سنة 1789، الى معهد الحكمة الذي اسسه المطران يوسف الدبس سنة 1875، تكونت مسيرة لا تنتهي الى معارج المعرفة والترقّي الحضاري.

فكل هذه الصروح انبثقت من حب الموارنة للعلم والتحصيل، وهو حبّ زرعه بوعي نبوي بطاركة ورجالات رؤيويّون ونمّته غيرة على الاستعداد لحمل بشارة الانجيل ونقلها الى الآخرين خدمةً وترقّياً روحياً وإنسانياً. فمنذ تأسيس المدرسة المارونية في روما، حدّد البابا غريغوريوس الثالث عشر أهدافها وغايتها بقوله: "إن الغاية الأولية والأساسية في إنشاء المدرسة هي تقوية الإيمان عند الموارنة، وتثقيفهم بالعلوم الصالحة، وتربيتهم على التعليم السليم والفضائل المسيحية الكاملة، ليكونوا رسلاً ينشرون عبير التقوى وتعاليم الكنيسة المقدسة على أرز لبنان وعلى طائفتهم وفي بلدانهم".

فمن هذه الأهداف الواضحة والمحددة نجد أن التوجّه العلمي عند الموارنة اقترن بربط التربية بالرسالة.

وهذا ما أكّده الدويهي لاحقاً في رسالتين موجهتين الى تلامذة المدرسة المارونية الرومانية نشرها الأباتي بطرس فهد، يقول في الأولى:

"فنرغب اليكم أيها الأبناء الأعزاء، ألا تستخفوا بما دعيتم إليه، فالرب انتخبكم، وكفاكم كل الحاجات لتزيّنوا نفوسكم بالفضائل والصالحات أملاً بأن تفيدوا قريبكم بعلمكم"

وفي الرسالة الأخرى يذكّرهم بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم: "لم نرسلكم الى بلدان بعيدة، إلا لتتعلّموا العلوم الإلهية وترجعوا فتفيدوا غيركم، فإن الشرق مفتقر لمن يعلّمهم ويهذّبهم".

ومع بدء عملية الإصلاح الرهباني على يد عبد الله قرأعلي ورفاقه اسست رهبانيتنا بين 1695 و1735، 16 مدرسة، منها:

12 مدرسة في القرى (مورت مورا إهدن 1696، مار إليشاع بشري 1696، مار يوحنا رشميا 1706، دير سيدة اللويزة زوق مصبح 1707، (مار انطونيوس قزحيا)، مار بطرس كريم التين (بيت شباب) 1712، دير مار الياس الشويا 1727، دير طاميش 1728، دير مار انطونيوس سير 1734، مار الياس مطوشي قبرص 1737، دير مشموشة 1737، انطش ومدرسة عجلتون 1735)

1 مدرسة في دار الحكم (دير القمر)

3 مدارس في الولايات  (طرابلس صيدا وعكا) وهي مناطق اسلامية.

فرهباننا، قبل المجمع اللبناني الذي انعقد في دير اللويزة سنة 1736، فتحوا في كل دير أو في كل أنطش مدرسة، وكانوا، حيث لم يكن في استطاعتهم فتحها أو اجبروا على إقفالها، يذكرون السبب. مثلاً لم تُفتح مدرسة في دير قزحيا "لبعده عن القرى وكونه في الوادي". وعند إقفال دير ومدرسة مورت مورا في إهدن ذكر فرحات أن "هذا الدير انترك لعدم إمكان عشرة أهله".

وكان الرهبان يحثّون أهلهم القادرين، كما فعل الحاقلاني مع أخيه في زوق مصبح، عندما طلب اليه "أن يتبرع بأجرة عامل بدلاً عن كل ولد، يعمل في الحقل، لكي يرسله الى المدرسة".

وسنة 1727 (بعد 32 سنة من التأسيس) كتب الاب العام توما اللبودي الى المطران جبرايل حوّا المقيم في روما يخبره أن تلامذة المدارس الرهبانية قد بلغ عددهم (300) ثلاثمئة تلميذ.

لقد سبق الرهبان قرارات المجمع اللبناني في المبادرة الى فتح المدارس ومجانية التعليم، فجاء المجمع يكلّل مبادرات الرهبانيات ويشجّعها.

التعليم العالي ومساهمة الرهبانيات المارونية

بعد هذه المقدمة نرى أن تأسيس الجامعات لم يكن حدثاً مرتجلاً في تاريخ الرهبانية، ولا وليد قرار فوري ومزاجي. إنه مسيرة طويلة قامت على توارث المعرفة وتنميتها ونقلها.

في سنة 1707 قدّم البابا اكليمنضوس الحادي عشر لرهبانيتنا الناشئة (اي نحن المريميين واخوتنا اللبنانيين) مركزاً ديراً ليكون مكان إقامة للرهبان الذين يرسلون الى روما لتحصيل الدروس الكنسية والانسانية. ومنذ ذلك الوقت مرّ في روما عدد كبير جداً من الرهبان الدارسين، تشهد عليه أسماء من الرهبان العلماء، أذكر منهم على سبيل المثال من أبناء رهبانيتي:

- يواصاف الدبسي البسكنتاوي (المطران لاحقاً)

- يعقوب آروتين (الحلبي)

- اغوسطين زنده (الحلبي)

- جرجس الرزي العشقوتي

- يوحنا نطين الدرعوني

- يوسف دريان (المطران لاحقاً)

- الاباتي جبرائيل القرداحي

- امبروسيوس نطين (المطران لاحقاً)

- طوبيا العنيسي

- الاباتي سمعان النجار

- الاب لويس صفير

- والاباتي بطرس فهد

وكثيرين غيرَهم لا تزال كتبهم ومخطوطاتهم وترجماتهم محفوظة في مكتبة الدير، وقد تناولت العلوم التالية:

- لاهوت

- فلسفة

- الكتاب المقدس

- تاريخ

- جغرافيا

- فقه اسلامي

- آداب

- لغات وقواعدها

- روحيات

- علوم مختلفة (طب، كيمياء، فلك)

- طقسيات

- جدليات

- قواميس

ونجد استعمالاً واسعاً للّغات:

- العربية (بحر فيها العربي والكرشوني)

- السريانية

- اللاتينية

- العبرانية

- اليونانية

- الايطالية

- الفرنسية

- الانكليزية

- الفارسية

- والتركية

وفي مكتبة ديرنا نجد في مؤلفات هؤلاء الآباء الموضوعات التالية:

- سر التجسد

- علم النية

- كتاب الالهيات

- أسرار البيعة

- العلوم الفائقة الطبيعة

- المنطق

- كتاب الطبيعيات

- كتابات روحية

- علم النحو، وقواميس شهيرة كاللباب للقرداحي.

- تاريخ الرهبان اللبنانيين

- مجادلات مع مشائخ الاسلام (مجادلة عبد الملك بن مروان مع ابراهيم الراهب النصراني)

- التعليم الروماني

- تعاليم المجامع المسكونية

- اللاهوت الأدبي

- علم اللاهوت النظري

- ليتورجيا: - تفسير الخِدم وطلبات الاعياد

 - السنكسار

- قانون: - قانون الرهبان اللبنانيين وفرائضهم

  - كتاب مختصر الشريعة

  - قانون راهبات مار انطونيوس الساكنات دير مار يوحنا حراش (رقم 461)

- التاريخ اللبناني

- التاريخ الرهباني

- وترجمات عديدة أهمها: الخلاصة اللاهوتية للقديس توما الأكويني (ترجمة المطران واصاف الدبسي وترجمة الأباتي سمعان النجار).

ألا تؤلّف هذه الموضوعات الواسعة برنامجاً جامعياً شاملاً ووافياً؟ إنها كذلك. فهؤلاء، مع من سبقهم، هم الذين استحقوا لقب "عالم كماروني" (Dotto come un Maronita, Savant comme un Maronite).

إن مدرسة الرهبانية في روما نظراً للنجاح الذي حازه طلاّبها، جعل آباء المجمع اللبناني المنعقد في اللويزة سنة 1736 يحثّونهم (الرهبان) على "أن يثابروا على عملهم الحميد بأن يفتحوا المدارس في أديارهم فيتولى فيها تعليم الشبان، بحسب النظام الموضوع آنفاً، أولئك الرهبان الذين اقتبسوا العلوم في دير رومية" (المجمع اللبناني: القسم الرابع، الباب الثالث ص. 538).

على مثال هذه المدرسة أسس تلامذتها مدارس رهبانية اخرى في الأديار ليعلّموا طلاّب الكهنوت العلوم الإلهية والعلمية ويعدّوهم لحمل رسالة الإنجيل، فكانت هذه الأديار أولى الجامعات الرهبانية.

وهكذا فعلت الرهبانيات الأخرى. فالأساتذة هم رهبان تثقفوا في الغرب. والجامعة هي دير أعدّ وكرّس لهذه الغاية، على مثال الاكليريكيات الكبرى الجامعية. والبرامج هي ما تعلّموه في معاهد الغرب، وكان وافياً لتهيئة علمية وروحية وكتابية ولاهوتية للطلاب.

إنها مسيرة توارث المعرفة وتطويرها وتحسين نوعيتها. ففي رهبانيتنا المارونية المريمية تكرّس دائماً دير-إكليريكية كبرى تعطى فيه الدروس اللاهوتية والفلسفية لطلاب الكهنوت. أذكر بعضها: دير مار الياس الشويا في ضهور الشوير، ودير مار ضوميط في فيطرون، ودير مار عبدا في دير القمر، وإخواننا في الرهبانية اللبنانية الذين كان لهم خبرة مماثلة في دير سيدة المعونات في جبيل حوالي السنة 1808. بعده انتقل التعليم الى دير مار قبريانوس في كفيفان، وربما الى غيرها من الاديار أيضاً. وتنقّلت معاهد إخواننا الاباء الأنطونيين اللاهوتية من دير مار اشعيا الى دير القلعة فبعبدا، ثم الى القطّين فإلى بعبدا من جديد.

ولا بد من الاشارة الى الفضل الكبير الذي قدّمته الجامعة اليسوعية في إعداد رعيل كبير من الآباء الرهبان، ساهم، بشكل مباشر، في انطلاقة التعليم الجامعي الماروني. لهذا أستطيع ان أؤكد ان الجامعات المارونية، التي نشأت منذ 1962 مع جامعة الروح القدس الكسليك، وجامعة سيدة اللويزة NDU عام 1987، والجامعة الانطونية عام 1996، فمعهد العائلة المقدسة العالي للعلوم التمريضية والعلاج الفيزيائي في العام 2000 لم تولد من العدم، ولم توجد وليدة صدفة بين ليلة وضحاها، بل كانت امتداداً واستمراراً لمسيرة المعرفة والترقي الحضاري الماروني والذي كان الرهبان روّاده طوال أكثر من 300 سنة.

التعليم العالي وخدمة المجتمع

بين أهداف كل مؤسسات التعليم العالي في العالم، نلحظ انها تكرّس مكاناً لائقاً لخدمة المجتمع. وقد فهم الموارنة أهمية التعليم وقدرة المعرفة على صيرورة الانسان من خلال تحقيق ذاته الفضلى، فجمعوا، منذ البدايات، الى "تقوية الايمان والتثقّف والتربية الصالحة، بعداً آخرَ هو ان يكونوا رسلاً في طائفتهم وفي بلدانهم".

واليوم نكتشف بذهل وإعجاب وتقدير كم كان آباؤنا رؤيويين ونبويين في سعيهم. فرغم حذرهم الدائم من جيرانهم في الشأن السياسي، كانوا في الشأن الثقافي رواداً وما تنكروا يوماً او تلكأوا في خدمة مجتمعاتهم وهم تجرأوا في ثلاثة:

1- ذهبوا لملاقاة إيمان الكنيسة الجامعة في روما من دون ان يفقدوا هويتهم الانطاكية، فتثبّتوا في الإيمان.

2- وذهبوا لملاقاة الثقافة الشاملة في أوروبا وهذا ما دفعهم نحو الحداثة، فتثبتوا في المعرفة.

3- وذهبوا لملاقاة الإسلام بروح الانفتاح والحوار والندّية، فتثبتوا في الرسالة.

فكان لبنان-الرسالة مساحة للحوار والتلاقي والعيش المشترك.

في جامعاتنا المارونية اليوم أكثر من 1200 أستاذ جامعي وحوالى 700 موظف وإداري يقدمون العلم والخدمة لأكثر من 10 آلاف طالب وطالبة موزعين على أكثر من 25 كلية وعدة معاهد في فروع عديدة منتشرة في جميع المناطق اللبنانية.

فالتعليم العالي الرهباني، هو خدمة ومنارة للمنطقة من خلال:

1- تقديم العلم الجيد والجديد من معارف وأبحاث علمية وإصدارات.

2- التنوّع اللغوي الذي التزمه سهّل النشر والتواصل والتفاعل الحضاري بين لبنان والشرق من جهة والغرب من جهة أخرى.

3- التركيز على ثقافة الإنسان في شموليته وحريته.

4- الجامعات الرهبانية هي لقاء حي ينشّط الحوار والتلاقي والعيش المشترك وينشر ثقافة السلام وقبول الآخر.

5- الجامعات الرهبانية أكدت دوماً تشبّثها بالتربية الصالحة على القيَم الأخلاقية والإنسانية السامية.

6- الجامعات الرهبانية هي منابر لحرية الفكر والرأي وصوت ينادي بحب الوطن والأمانة له والتفاني في خدمته. بهذا ساهمت جامعاتنا في إعداد رجالات أكفياء يتحلّون بحسّ المواطنية الصالحة ليكونوا من بُناة مستقبله.

7- الجامعات الرهبانية سعت دائماً الى نشر تعليم الكنيسة الاجتماعي داعية الى عيش العدالة كونها الطريق الى السلام ومشدّدة على روح التعاون لمساعدة المحتاجين وخاصة الطلاّب الذين يُقبلون على التعليم والتثقّف "فلا يُحرم طالب نعمة العلم لأسباب مادية" (الإرشاد الرسولي رقم 107). فجامعة سيدة اللويزة مثلاً تقتطع ما نسبته 20- 23 % من ميزانيتها المعوكرة السنوية لمساعدة طلابها (هذه السنة تصرف ما قيمته 5.800.000$  فتساعد أكثر من 2500 طالب سنوياً من أصل 4400 طالب مسجّلين فيها).

8- والتعليم العالي الرهباني كان ولا يزال شمولي الأبعاد، ويفتح أمام طلابه عالمية المعرفة والبحث العلمي وأسواق العمل.

بالإضافة الى ما تقدّم نرى أن التعليم العالي الماروني، والرهباني بنوع خاص ساهم مساهمة فعالة:

أولاً: في التجدد الكنسي من خلال الأبحاث الليتورجية والقانونية واللاهوتية.

ثانياً: في النهضة الأدبية الشاملة من خلال تطوير اللغة والآداب وتعميق الدراسات التاريخية ونشر القواميس والمعاجم.

ثالثاً: في إطلاق الطباعة والنشر والتأليف.

رابعاً: في نشر الوعي الثقافي، ما شجّع الإقبال على التنمية الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية. وهذا ما أمّن نهضة ثبّتت أسس الاقتصاد اللبناني وحافظت على بعض قطاعاته المميزة (كالمصارف) رغم ما لحق بها من جور السياسات الفاسدة.

خامساً: التعليم العالي الرهباني، ساهم بقسط كبير من الوعي الوطني والتعلّق بأسس الوطن القائم على الحرية والاستقلال والقرار الحر؛ فأعدّ كوادر تبشّر برعيل يؤسّس لقيام وطن يخدمه شباب أكفياء ونظيفو الكفّ يحملون إليه بذور الرجاء والأمل بمستقبل أفضل.

سادساً: والتعليم العالي الرهباني أكمل رسالة لبنان-الرسالة القائم على الحرية والتعدّدية وحقوق الإنسان، المبشر بالتفاعل في حوار صادق تلتقي فيه المسيحية بالإسلام، فيبنيان رسالة المحبة والعيش معاً، وينشران حضارة السلام. فالوعي العلمي والثقافي الذي ساهم الرهبان في نشره، حفظ لبنان في ديموقراطيته وحرّيته وتعدّديته الغنية، بينما انغمس الشرق كلّه في ظلاميّته.

سابعاً: هذا التعليم العالي الرهباني بغنى تعدّديته اللغوية والثقافية ينهل من الغرب العلوم والتكنولوجيا ويحمل إليه لقاء الشرق في غنى قيمه الإنسانية والعائلية، فيؤسس لنهضة استشراقية للغرب ولتفاعل حضاري مع الشرق فنخرج من نبوءات الشؤم المبشّرة بصدام الحضارات الى لقاء أبناء العائلة البشرية الواحدة حول قيم الخير والسلام.

هذا هو فخر الجامعات الرهبانية أمّا ضعفها فهو قائم على ما يعتور رسالتها من فلتان وفوضى وتزاحم وتجارة مستشرية تبعدها عن روح رسالتها الكنسية والإنسانية.

كل هذا يجعل جامعاتنا تكرر ذاتها ولا تستنبط المستقبل. لذا، بات من الملحّ أن تتوقف بشجاعة لتعيد صياغة ذاتها على أسس كنسية ووطنية أمتن، منطلقة من روح رسالتها الكنسية أولاً، ومثبّتة ذاتها في أرقى مراتب النوعية الأكاديمية ثانياً، وساعية الى تعاون وتنسيق كاملين وصادقين هما شرط وجودها الأول واستمراريتها، فتتوقف عن شرشرة الفروع في المناطق، يضارب الواحد الآخر ويكرر الواحد الآخر بالمزاحمة حتى الاختناق. كما عليها أن تقدم على إقفال كليات واختصاصات أصبحت مطابع لشهادات هي جوازات سفر الى البطالة أو الهجرة، وأن تعمل جاهدة على زرع التفاعل بينها وبين مجتمعنا الإنساني والإنتاجي لتخلق حاجات جديدة تزيد من فرص العمل وتثبت أبناء هذا الوطن في أرضهم، فيكمل الأبناء، على غرار الآباء، "مسيرة الترقي الحضاري بتوارث المعرفة وتطويرها، ويتجذّروا أكثر في تراثاتهم إذا عرفوها بعمق وأحبّوها بصدق وحافظوا عليها بأمانة. فالجامعات الرهبانية فتحت قلبها وأبوابها لكل اللبنانيين من دون تمييز، وانفتحت على كل بلدان المشرق العربي، وظلّت خادمة للإنسان. "فالإنسان، كما قال عنه قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، هو موضوع الثقافة الانطولوجي وهو هدفها الوحيد وغايتها القصوى. والثقافة هي ما يقوم به الإنسان ليصبح إنساناً أكثر" (خطاب أمام الاونيسكو 2/6/1980).

فهلاّ نزال أمناء لهذه الرسالة في جامعاتنا الرهبانية؟!"

 Top

كلمة الأباتي سمعان عطاالله, رئيس عام الرهبانيّة الأنطونيّة المارونيّة

 

ركّز على محور آخر هو "الدير الماروني والتربية".

وأنا أشكر رئيس جامعة الروح القدس في الكسليك، حضرة الأب كرم رزق على كلماته الطيّبة وطرحه للموضوع، أحيّي جامعتنا الأنطونية على تنظيم هذه الندوة، وديرنا العريق مار أنطونيوس على استضافتنا جميعاً، طبقاً لدوره التاريخي  ورسالته في نشر الثقافة والمعرفة، راجياً أن تجدوا عندي التقدير، أيها الحفل  الكريم، على إصغائكم إليّ والى زملائي، مؤكّداً لكم تثميني الوقت الذي تعطوننا إياه في هذه الأمسية، التي أراد المنظّمون أن يلقوا خلالها الضوء على رسالة تاريخية طويلة يقوم بها "الدير" منذ إنشائه، ألا وهي رسالة التربية والتعليم.

وعليه أبدأ بإشراككم ببعض الملاحظات لكي أنتقل معكم فيما بعد إلى صلب الموضوع، لا لأتحدّث عن تقنياته وإنما عن بعض مبادئه المتجلية في نشاطاته، النابعة من طبيعة الحياة الرهبانية، أو حياة الدير، ورسالته أو شهادته المنتظرة. ثم أنتهي إلى بعض الاستنتاجات التي أراها آنية، تطلبها الظروف الراهنة، علّنا نخطّط للمستقبل ونعمل له معاً، أي مع جميع ذوي الإرادات الصالحة، التي ان فُقدت، لا سمح الله، يوصد أمام وجوهنا المستقبل الغني فينقطع الرجاء وتُخنق الديمقراطية وتُسلب الحرية وتداس الكرامة ويموت الحبّ، ويموت بالتالي الإنسان ومعه تموت كل أسس الحضارة والرقيّ والتقدّم والتطوّر...

أولاً: ملاحظات أولية:

الملاحظة الأولى: تطول عنوان مداخلتي. ففيما تتحدّث بطاقة الدعوة عن :"الكنيسة تتعهّد قطاع التربية والتدريس في لبنان"، أودّ أن أضع مكانه عنوان "الدير الماروني والتربية". وعندما أنا أقول "الدير"، فإني أعني بذلك الحياة الرهبانية في هذا المشرق، وبخاصة في لبنان، نظراً لموقعه وتاريخه وواقعه بالنسبة إلى واقع البلدان الشرق أوسطية السياسي والاجتماعي وما إلى هنالك من أبعاد تعود إلى التاريخ، أي إلى الإنسان المتواجد على هذه الجغرافية الشرق أوسطية. إني أغيّر العنوان إذاً لسببين:

أ – لأن الموضوع العام، كما يظهر من بطاقة الدعوة هو "دور الأديار في نهضة التعليم والثقافة في لبنان،

ب – لئلا نعطي انطباعاً وكأن الكنيسة وحدها تتعهّد قطاع التربية والتعليم في لبنان.

الملاحظة الثانية: إذا كان يشتمّ من حديثي أني أنطلق وأحصر كلامي عن التربية من خلال الدير الأنطوني فهذا لا يعني أني أتجاهل وضع الدير المريمي أم اللبناني أم الكريمي. فكلّنا على هذا الصعيد وفي هذا الحقل واحد. فما أقوله عن الدير الأنطوني يُطبّق بذات القوّة وفي ذات الوقت على سائر الأديار أي على الحياة المكرّسة في الكنيسة المارونية والتربية منذ القديم وحتى اليوم.

الملاحظة الثالثة: تتعلّق بمفهوم الحياة الرهبانية وهوية الدير. هنالك من يقول بأن الراهب هو ذلك المؤمن الذي يتخلّى ويترك كل شيء ويعتصم بالله، منقطعاً عن هموم الدنيا وممارساً الصوم والصلاة والتأمل العميق بكلام الله الحيّ. ولذلك فلا يعود إليه الانشغال بالأعمال الرعوية والقيام بالرسالات على أنواعها، ولا تكريس وقته، أو حتى قسم منه للنشاطات على أنواعها وبخاصة التربية والصحة وما إلى ذلك... وبالتالي فلا يحقّ له أن يصبح ولا أن يكون رجل أعمال راعوية، لا يمكنه أن يتسلّم رعايا ولا أن يحوّل كنيسة ديره إلى رعية ولا أن يشيّد مؤسسات ضخمة كالمدارس والمستشفيات وغيرها...

نعم إن الدير هو جماعة مؤمنين التقوا معاً باسم المسيح وساروا وراءه متبّعين خطاه، متخلّين عن كل شيء وممارسين الصوم والصلاة والقراءة الإلهية ليصبحوا خبراء  به تعالى، يمارسون الأبوّة الروحية بالنسبة إلى جميع الناس ويشهدون لقيم الإنجيل بالتزام وجذرية. غير ان هذا الدير ليس جزيرة، ولا يكرّس الراهب نفسه لله إلاّ لكي يصبح خلقاً جديداً، وبالتالي علامة خلاص لجميع الناس وجواباً روحياً على كل تساؤلاتهم ونموذج الخادم الأمين لهم أجمعين على مثال سيّده. فالتكرّس المسيحي يكون لأجلهم، أي لأجل جميع الناس، إذ يحمل المتنسّك جميع الناس في ضميره وصلاته فيصبحوا مشاركين له في تكرّسه، وطالبين منه المساعدة حيث المساعدة ضرورية وعلى قدر طاقاته والإمكانيات وطبيعة دعوته.

فأنطونيوس ترك صحراءه وعاد إلى المدينة لأن الناس كانوا بحاجة إليه في ظرف من ظروفهم؛ ومارون كان كاهناً، بشّر بمعلّمه وحوّل هياكل الوثنيين إلى معابد للإله الحق؛ وبيت مارون – أو ديره على العاصي – أُنشئ لنشر لاهوت خلقيدونية وثقافته. وهكذا أصبح هذا البيت، على السواء، بيت صلاة وتعبّد، ومركز تعليم ودرس وأبحاث وتربية ونشر وتسبيح وتمجيد... فالموارنة الأُول، بنوع خاص، كانوا رهباناً، اجتمع حولهم عدد وفير من الناس، دعوا لاحقاً شعب مارون، أي "بيت مارون" أو "آل مارون"، يعني الموارنة. لاحقاً، وبسبب النموّ، أقيم لهم كهنة، يوزّعون عليهم الأسرار البيعية الإلهية، وكانوا كلّهم متزوجين. ثم تكوّن هذا الشعب كنيسة، مثلها مثل باقي الكنائس، فبقي لها طابعها الرهباني في البنية والتنظيم والعبادة والنهج والمسلك، وكان كل بيت ماروني هو دير على مصغّر.

ان هذا الطابع الرهباني جعل العديد من أبناء الكنائس الأخرى، وبخاصة المغرضين منهم، يتهمون الموارنة بأن "بيت مارون" هذا ليس كنيسة، لأنه ليس رسولياً إرسالياً، لا يجعل للرسالة في حياته مكاناً. نعم، ان كلامهم هذا نابع من مفاهيم العصور الوسطى، عندما تفرغت الكنيسة من  حقيقتها ولم تعد جماعة مواهبيّة (charismatique)، تقوم على العيش واختبار حياة الله وحياة الأخوّة الشاملة وحياة الرسل، حياة المحبّة والحوار والمسامحة والغفران والبحث معاً عن الله للنمو في الحكمة والفضيلة؛ رسالة هذه الكنيسة تقوم على شهادة الحياة، الحياة التي ذكرت؛ ورسالتها تقوم أولاً على الإشعاع الذي ينتج عنه لجذب ومحبة الاقتداء والتمثّل بصاحب الرسالة والشهادة، على كل الصعد. بينما كنيسة العصور الوسطى، رغم عدد قديسيها الوفير، تقوم على العمل ، على الوعظ، على خلق المؤسسات الاجتماعية، وهي ضرورية وحياتية للشعوب النامية، بنوع خاص؛ فكأن في هذا العمل، على يد المسيحيين، استدراجاً لغير المسيحيين أو لغير أبناء طوائف وطقوس مسيحية، لكي ينضمّوا إلى صفوفهم. ان في هذا العمل، المبارك في حدّ ذاته، الكثير من أبعاد "الاستعمار" و "الصليبية"، وهي أبعاد لا يعرفها إنجيل ربنا يسوع المسيح ولا يقرّها. أقول ذلك، اليوم، بكل هدوء وشفافية، دون أن تبادر إلى ذهني أي محاكمة أو روح انتقادية.

إن الحياة الرهبانية تأملية ورسولية، مصلّية وإرسالية على السواء. هذه هي حياة الإنجيل! والمسيحيون وبخاصة الرهبان، هم مواهبيون (charismatique). إنهم شهود؛ والشهادة تنبع وتنبثق من العيش، وليس من التنظير والتحليل. ليس المسيحيون موظّفين! في الشرق، مثلاً نجد الأسقف يعيش في دير ، أي في جماعة. هناك يسكن ليلاً نهاراً. في الغرب، الأساقفة، مثلاً، لا يعيشون في دير ولا في جماعة، وإنما في شقة، أو في بيت خاص. فهذا النهج هو نهج "الموظّف" (أقول ذلك مع كامل الاحترام وبوعي كامل لعظمة الأساقفة في الغرب ولعملهم الإنجيلي جداً). إن هذا الأسلوب يكون ربما أكثر فاعلية وإنتاجية من غيره؛ غير ان فرص الشهادة والعيش معاً نادرة، إذا لم نقل غائبة... والإنجيل يقول لنا :"وتكونون لي شهوداً؛ والشهادة هي أولاً في العيش معاً وفي روحية هذا العيش. وكما أن الخطر يحدق بأسلوب العمل الوظيفي الإنتاجي، كذلك فإنه يهدّد خبرة أو نظام العمل الجماعي والعيش الجماعي أيضاً.

على كل فالمهم في هذه الملاحظة هو ان العمل مع الآخر ومن أجل الآخر، أياً يكن، هو من صلب الحياة المكرّسة، طبقاً لمبدأ يسوع نفسه الذي قال في إنجيله بحسب يوحنّا: اني أكرّس ذاتي لأجلهم. فبُعد الآخر، بعد العلاقة في سبيل العطاء، هو من صميم الحياة المكرّسة، هذه الحياة التي تكرّس ذاتها للآخر كما كرّس يسوع نفسه. فالآخر هو مبرّر مجيء الرب يسوع. وبما ان هذا العطاء، أو هذا العمل مهدّد بالهمّ الإنتاجي، فإن الحياة المكرّسة تشدّد كثيراً على العلاقة بالله والتفرّغ الطويل للحياة معه من اجل الامتلاء منه والعمل عندئذ طبقاً لإرادته. وهكذا يحبّ الراهب كما أحبنا يسوع ويعمل كما عمل يسوع.

الأديار والرسالة:

عندما نتحدّث عن الراهب المشرقي لا نرى فيه إلاّ الناسك المنصرف إلى التأمل بالله أي بوجهه المنير. إنه الراهب الذي يهذ، ليل نهار، بالإلهيات: "وجهك يا ربّ ألتمس". إن أوّل رسالة للراهب هي الشهادة والمثل الصالح أمام الجميع، والنور لكل الذين يسلكون في الظلمات. فعلى الرهبان أن يشتركوا مع سائر أبناء الكنيسة، في القيام بعملية خلاص العالم، ليس بالعمل، بالدرجة الأولى، وإنما بقداستهم، أي بحياتهم الفاضلة وبسعيهم الدؤوب نحو الكمال، طبقاً لقاعدة الإنجيل :"كونوا كاملين كما ان أباكم السماوي كامل هو".

هـذا وإنـه لمن الأهمية بمكان أن نعرف بأن الرهبان، قديماً، وبخاصة في الأجيال الأولى، لم يكونوا : "إكليريكيين" وإنما من شعب الله. إنهم مؤمنون بالمسيح وملتزمون به. ولذلك لم تكن رعاية النفوس وخدمتها من واجباتهم (راجع ايرينيه هاوسهر في كتابه بالإفرنسية:

Spiritualité monacale et unité chrétienne (OCA 153, Roma)

من جهة أخرى إذا كان الرهبان في الأجيال الأولى، وبسبب أنهم لم يكونوا كهنة، لا يقومون بتحمّل مسؤوليات المؤمنين من حيث الإدارة وتوزيع الأسرار، فإنهم لعبوا دوراً كبيراً، وبخاصة منذ القرن الرابع، في الكرازة والتبشير والتعليم ونشر الفكر المسيحي.

فالحياة الرهبانية تؤكّد، في تواجدها، على حضور الكنيسة : من صعيد مصر إلى الكبادوك وجيورجيا وأرمينيا إلى سيناء وفلسطين والأردن وسوريا ولبنان وما بين النهرين والفرس وآسيا الصغرى.

ان الدراسات المعاصرة تظهر بوضوح كيف أن الرهبان، بجميع فئاتهم، من القنوبية إلى التوحدّية، وحتى منذ ما قبل خلقيدونية (451)، تكرّسوا أيضاً  من أجل أعمال الرحمة ونشر العلم والثقافة على كل الصعد، فأصبحت أديارهم مدارس تعليمية وتربوية ومراكز ثقافية وتراثية.

على صعيد آخر لعب الرهبان المشرقيون دوراً كبيراً في تبشير الشعوب وتحويل هياكلهم من معابد للآلهة الوثنيّين إلى كنائس للإله الحق. وهذا ما فعله رهبان مار مبارك، بجميع فئاتهم، في الغرب. فهم الذين بشرّوا أوروبا وأرسوا فيها حضارة الإنجيل. في حركة التبشير هذا لعب حوار الحياة والشهادة الحية دوراً أكبر بكثير من حوار الفكر، رغم عدم نفي وجود هذا الأخير، ولو بشكل محدود جداً. ان حوار الحياة هو أساس في شرقنا على صعيد الكرازة والتبشير، لأنه ثمرة العيش الشخصي، الذي يشعّ ويعطي فيه صاحبه مصداقية عن عيشه لما يقوله ويفعله. وهذا واضح كيف ان حياة الصلاة (الليتورجيا) هي واحدة عند جميع الكنائس المشرقية. في الطقس البيزنطي، الليتورجيا (القداس وباقي الأسرار) هي واحدة عند البيزنطيين الأرثوذكس والكاثوليك؛ وكذلك عند السريان الإنطاكيين الأرثوذكس والكاثوليك؛ وهكذا عند السريان الشرقيين، الأشوريين والكلدان. الطقس واحد وبنية الليتورجيا واحدة والنصوص واحدة، ولو زاد البعض عليها عبارات، تحكي عن خلافاتهم العقائدية.

الأديار والحركة المسكونية

ما قلناه عن الأديار والرسالة يقودنا لأن نؤكّد بأن الأديار لعبت، لاحقاً، دوراً أساساً ومميّزاً في الحركة المسكونية. إذا كان صحيحاً أن للرهبان دوراً حاسماً في الصراع الفكري، في حقل اللاهوت، الذي أوصل إلى الانقسامات المعروفة في تاريخ الكنيسة المشرقية، فإنه صحيح أيضاً أنهم لعبوا دوراً قوياً، من جهة أخرى، في الحركة المسكونية. غير أنه معروف أيضاً ان الرهبان عملوا وناضلوا لكي يعيشوا الروحانية المسيحية الشاملة. فالشمولية هي هدف كبير من أهداف الحياة الرهبانية، رغم تجذّرهم في تراثاتهم المحلية (راجع هاوسهر، أيريناوس روحانية الرهبان ووحدة المسيحيين (منشورات المؤسسة الشرقية في روما عدد 153، 1958 ص 15 – 32). ففي  عملهم هذا أدّى الرهبان إلى الكنيسة خدمة كبيرة على صعيد التعمّق في جوهر لاهوتها، رغم الخصوصيات التي تعرفها كل كنيسة "محلية" أو "خاصة". وإذا كانوا يرفضون الهراطقة والمنشقين، بحسب نظرتهم، ذلك لأنهم كانوا يعترفون بأن الإيمان هو مبدأ الكمال الأول. ولكن التفكير أو النقاش حول موضوع الإيمان، علاوة على النقص في المحبة، هو الذي يفصل فيما بين أبناء الإيمان الواحد ويحدث الانقسامات. ولهذا السبب ظهر تيار قويّ عند الرهبان يرفض اللاهوت التحليلي ويرفض حتى الدرس ويكتفي بعيش المحبة، الطريق الأوحد إلى الوحدة. غير ان رهبان العصور الحديثة رفضوا هذه النظرية وأكّدوا على ضرورة العلم حتى ولو لم يتقدّموا من الدرجة الكهنوتية. فالحمد لله على الظاهرة التي تعرفها رهبناتنا اليوم، والقائمة على عدم طلب درجة الكهنوت أو وضع يد القسوسية. يريدون التحرّر من كل النواحي الإدارية على الصعيد المدني كما على الصعيد الكنسي للتفرّغ لأعمال بحت نسكية رهبانية.

الأديار والمدارس

في المقدمة التي كتبها المطران يوسف السمعاني لقوانيننا الأنطونية، التي كانت رُفعت إلى روما ليثبّتها البابا إكليمنضوس الثاني عشر في آخر تموز 1741 م أكّد سيادته بأن رهبنتنا الأنطونية حصلت على رضى البطاركة الدويهي والبلوزاني ويعقوب عواد ويوسف الخازن، الذين شجّعوهم وطلبوا إليهم الذهاب إلى روما للحصول على التثبيت المذكور. ومن أهمّ الأسباب التي شجعت هؤلاء الأحبار، وبخاصة بابا روما إكليمنضوس الثاني عشر، لكي يثبّتوا هذه القوانين ويعترفوا بالتالي بهذه  الرهبنة الأنطونية، كانت "فتح المدارس في أديارهم للتربية والتعليم إلى جانب سيرتهم الحميدة وإفادة الطائفة بالوعظ والمثل الصالح والتبشير".

والمجمع اللبناني في القسم الرابع منه المخصّص للكنائس والأديار، كرّس باباً خاصاً "في المدارس والدروس" معطياً بذلك الأمر بأن تقام المدارس في المدن والقرى والأديار الكبيرة فيتعلّم فيها أولاد تلك المدن أو القرى المجاورة الأمور الضرورية.

ان الداعي إلى الاهتمام بالمدارس هو طبيعة الأولاد، التي ان لم يتلّقوا التربية منذ الصغر، تتملّكهم الرذائل، فيبتعدون عن النظام والترتيب والسعي  نحو الكمال على كل الصعد. ولذلك فإن التربية على التقوى والآداب والقيم والأخلاق تأخذ حيّزاً كبيراً واهتماماً خاصاً من قبل أنظمة مدارس الكنيسة ومناهج تعليمها. ان أبعاد هذه التربية والتعليم هي أبعاد الكنيسة، وبخاصة الرهبنة. وهذه الأبعاد تطول الشمولية والانفتاح على الجميع واحترامهم، ممّا يبني عند التلاميذ روح الديمقراطية والأخوّة الشاملة ومحبة الحرية والعدالة.

ان مصادر هذه التربية هي نظامنا الرهباني وبخاصة قانون حياتنا المكرّسة، الذي يرتكز أولاً على إنجيل ربنا يسوع المسيح وثانياً على الروح الرهباني الماروني المتوارث، المبني على قول السيد المسيح في إنجيل يوحنا :"لأجلهم أكرّس ذاتي". فالآخر، أي الإنسان هو هدف تكرّسنا. ولهذا السبب فإن أديارنا المارونية، تتقن الضيافة والاهتمام بالآخر. فليست أديارنا جزراً في قلب العالم، أي منقطعةً عنه. العكس هو الصحيح: الدير هو مكان لقاء وصلاة مشتركة، وبنيان مشاريع اجتماعية وثقافية وفنيّة وتربوية. وهذا ما يجعل الدير مكان حركة دائمة، مع احترام حصن الدير، ذلك المكان الذي يخلد إليه الراهب للتأمل والتفكير وفحص الضمير والإصغاء لصوت الرب والامتلاء من تعاليمه الإلهية، ينقلها الراهب إلى المجتمع بكل محبة واحترام. فالراهب ليس موظفّاً، يأتي إلى وظيفته في ساعة معينة ويغادر المكان المخصّص لها في وقت محدّد، وينسى بعد ذلك محتوى خدمته ورسالته. الراهب يعيش في مكان خدمته 24/24 ساعة. يتجوّل في أرجاء الدير وأمكنة مؤسساته ساهراً عليها وعاملاً على بقائها نظيفة، مرتّبة، جاهزة دائماً أبداً لاستقبال الناس. عندما كنت في هذا الدير المقدّس، كنت ألاحظ ان الناس يصلون باكراً جداً إلى الدير، أي قبل الدوام بمدة طويلة، يتركون فيه أولادهم ويذهبون مرتاحي البال إلى عملهم، لأنهم يعرفون ان هناك من يستقبلهم ويسهر عليهم ويشركهم في صلاته وقدّاسه، فيتربون على القيم والأخلاق.

في أديارنا تزدهر مدرسة الحياة، تلك المعايشة الفاعلة. فما يختبره طلاّب الرهبنة ورهبانها يختبره ويعيشه التلميذ أو الطالب العلماني. نحن، طلاب الرهبنة، تعلّمنا الألحان والطقوس والقراءة والتحليل والعلاقة بالآخرين، من مشاركتنا الرهبان صلواتهم واحتفالاتهم والنشاطات. هنالك طبعاً، وبخاصة مع الوقت ومرور الأيام، أوقات مكرّسة خصّيصاً لدرس المبادئ ومضمون المناهج، ليكون التلميذ ابن عصره. مع هذه التربية يشعر المربَّى أنه في بيته، يشعر بثقة معلّميه وأبناء ديره ومدرسته. فالروح العائلية والاجتماعية هي من ميزات التربية في أديارنا، التي تزرع في نفوس التلاميذ والطلاب روح  الأخوّة والشراكة والانتماء إلى الوطن والكنيسة والدين... وهذا ما يوفّر للمربَّى تربية إنسانية وإيمانية عميقة، وتمرّساً على الحرية واحترام الآخر وما يعود إليه...

ان هذه المعايشة الفاعلة تساعد المربّى على أن يعي جذوره ويحبّ تراثه؛ وهذا ما يدفعه، في الوقت عينه، إلى التغيير الهادئ والمطوّر على أسس إنسانية معاصرة، بعيدة عن الحقد والعنف والنقمة، وبخاصة عن القلق والإحباط وخيبة الأمل، هذه الحال النفسية التي لا تبني مقاومين وإنما مستقيلين، يتركون البلاد بسرعة فيفرغ الوطن. ان المعايشة تشجّع المربّى على أن يؤمن بنفسه وبالأجيال الطالعة وتدفعه إلى أن يتخطّى المعوقات المتراكمة، ويسعى جاهداً إلى تكوين رؤية واضحة وذهنيّة صحيحة والى أخذ المواقف الشجاعة حباً بالوطن ووفاء لرسالته. وهذا ما يؤسّس فعلاً لخيارات وطنية صحيحة، تسهم في بناء مجتمع متماسك وفي رسم ثقافة المواطنية الصحيحة "بدل الثقافة الطائفية"، فتنتصر حالات الانتماء السليم والهوية الوطنية على الهويات الطائفية والمذهبية.

من هذا المنطلق، نرى بأن ترسيخ عقول الطلاب ونفوسهم في معرفة التراث العريق، الغني جداً بالتنوّعات الحضارية، هو المدخل المؤاتي للتعمّق في موضوع الجذور والانتماء، والتطلّع بصفاء نحو المستقبل. ان هذه النظرة تجمع فيما بين أبناء الوطن الواحد ولا تفرّق، وتعزّز، فوق ذلك، الولاء الكامل للوطن الواحد، وتدعم اللحمة بين المواطنين، وتعمل على إرساء ثقافة الحوار والتفاهم، ونشر حضارة المحبة والسلام.

مع من يترّبى على هذه القيم يمكنك أن تبني معه شيئاً مشتركاً، مشروعاً مشتركاً، أياً كانت هويته، قضيةً مشتركة، ووطناً واحداً للجميع، يعيش فيه الكلّ بالمساواة والكرامة والاحترام والسلام. ان هذه القيم إذاً لا تفرض عليك إلغاء الآخر، بل بالعكس احترام خصوصياته وفلسفته وروحانيته والقناعات، وتفتح الباب واسعاً على حوار الثقافات من أجل بناء حضارةٍ، تستوعب جميع الناس وترسم درباً، يسير عليها الجميع، اليد باليد، بحثاً عن الخير العام والمصلحة العامة والحقيقة الواحدة. وهذا ما يسهّل خبرة التفاعل ومسيرة احترام حق الآخر بالاختلاف، ممّا يثمر تعاوناً خصباً، فيعيش الجميع بلا خوف ولا قلق، وإنما بأمان وطمأنينة، فيعمّ الأمن وينتشر السلام وترتفع مداميك الحضارة في الأرض.

خلاصة:

1 – الخلاصة الأولى: التنبّه إلى عدم ضرب مشروع لبنان التعدّدي:

في هذا السياق وأمام هذه الأحلام، التي نطمح ونعمل ونسعى لكي تكون حقيقة، نضمّ صوتنا إلى صوت غبطة أبينا السيد البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الكلّي الطوبى ونندّد بقوة وبشيء فيه الكثير من الغضب والعتب والملامة، بما يحاول البعض، وعلى رأسهم مسؤولون في جميع الأوساط، العمل على تمرير "ملفٍ- فتنة"، ضاربين عرض الحائط بقيم دستور بلادنا، وبالتعدّدية، التي هي مشروع هذا الوطن المقدّس. يصبو هذا الملف- الفتنة وبطرق غير حميدة، إلى هدم خبرة العيش المشترك، وسوق الشريك، الأصيل على الأرض الواحدة، إما إلى الذميّة وإما إلى الرحيل، وبأي حق؟ لذلك فإننا، مع هذا التنديد، نطالب، وبكل وضوح، ليس أن يوضع مشروع الإيسيسكو، وهو مشروع انضمام لبنان إلى المنظمة الإسلامية للتنمية والعلوم والثقافة، في درج مجلس النواب ويوصد الباب عليه، وإنما أن يُسحب هذا الملف بشكل نهائي من التداول والى غير رجعة.

وعلى هامش هذه الملاحظة وتعليقاً على مداخلة عبر وسائل الإعلام المرئي، طلع بها علينا أحد وزراء الحكومة العليّة، تساءل الوزير، الذي نكنّ له كل احترام، لماذا يقيم المسيحيون، تحديداً، الضجة حول مشروع الإيسيسكو، ولبنان، منذ زمان، منضمّ إلى منظّمة الفرنكوفونية. أحبّ أن أقول لمعالي الوزير المذكور بأنه لو كانت "الفلسفة" التي تتحكّم بالفرنكوفونية هي هي عينها التي تخبّئها وتحكي عنها منظمة الإيسيسكو فلكنّا أول من يرحّب بها وينضمّ إليها، مع العلم ان صاحب المعالي المذكور يعرف جيّداً كيف تتدخّل منظمة الإيسيسكو بقضايا المناهج وتحديد الأهداف، وهي أهداف حصرية ولا مكان لغيرها. ويعرف جيداً كيف ان الفرنكوفونية يتحكّم فيها منطق العلمنة، والعلمنة غير الملحدة. ومع ذلك أراد أخذ هذا الموقف المنحاز. هل هو ضدّ التعدّدية؟ والتعدّدية حضارة، وهذا يحكي عن أنه ضدّ لبنان! نأخذ علماً بموقفه ونؤكّد له انه فيما لو نجح خياره هذا فلسوف يكون هو أول من يدفع الثمن...

2 – الخلاصة الثانية: "الأديار حمت اللغة العربية":

وهذا ما أعلنه الأديب المرحوم مارون عبود: الأديار حمت اللغة العربية ووقفت بذلك بوجه حملة التتريك التي قام بها العثمانيون الذين حكموا بلادنا وشرقنا مدة أربعمئة سنة. وهذا يعني بأن الأديار، أي الرهبان هم الذين ماتوا عن ذواتهم وتقاليدهم وتراثهم في سبيل إحياء اللغة العربية وإنقاذها من الموت فراحوا يعلّمون اللغة العربية وآدابها ويكتبون فيها وينشرون. وان لجؤهم إلى وادي النيل كان لهذا الهدف. أما أي أجر نالوا، فهذا موضوع آخر.

إنما لا يفوتنا أن نذكّر كيف ان راهباً، أصبح مطراناً على حلب، هو المطران جرمانوس فرحات الشهير، كان أول من أهتمّ بإنقاذ اللغة العربية وتطويرها وإدخالها الحداثة. فبعد أن كان يصعب جداً جداً على الإنسان ان يدخل مجاهل اللغة العربية ويتعرّف إلى مبادئها وقواعدها المعقدّة بشكل غير مقبول، نشر فرحات كتابه المعروف :"بحث المطالب" وهو برنامج عصري أنقذ اللغة العربية من الموت والضياع. والمطران فرحات، نشر وحده، مكتبة بكاملها، قوامها مئة وأربعة كتب؛ وكانت نهضة اللغة العربية وانطلاقتها، خاصة وان فرحات، في مؤلفاته، نظّم وطوّر هذه اللغة، على صعيد شؤونها التعبيرية والأدبية والشعرية.

إلـى ذلـك كانت الأديار أول من استقدمت المطابع إلى الشرق.فبعد ان افتتح البابا لاون العاشر (1513 – 1521)  أول مطبعة عربية في أوروبا بمدينة "فانو" في إيطاليا، الواقعة على ساحل بحر الأدرياتيك، حيث نشرت مجلّدات عديدة باللغات الشرقية المتعدّدة كالعربية والسريانية والعبرية والأرمنية والقبطية والحبشية والكردية واليونانية والروسية، رأينا الرهبان يأتون بالمطابع إلى لبنان، منها مطبعة دير الشوير (1735) ومطبعة دير قزحيا (1610) ومطبعة دير مار موسى في المتن (1789) ومطبعة دير طاميش (1855) ومطبعة دير مار أنطونيوس (بعبدا (1911).

3 – الخلاصة الثالثة: الأديار تراث وحافظة التراث

تشكّل الأديار مواقع تراثية، إذ ان هندستها المعمارية تتميّز بشكل تراثي أنيق وجميل. مع أن هذه الأديار شُيّدت في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر، عندما توجد أمامها تظنّ وكأنها من القرون التاسع أو العاشر أو الحادي عشر وحتى ما قبل ذلك. إنها تعود إلى هندسة الأديار والكنائس التي شُيّدت في شرقنا في الأجيال الأولى، وانتقلت مدرسة معمارية إلى الغرب.

إذا كانت الأديار أمكنة لحفظ التراث، فهذا يعني انها، في الوقت عينه أمكنة لنشر الثقافة والقيم والأخلاق. وهذه الثقافة تتضمّن، إلى جانب القيمة التراثية المحلية، قيمة جامعة شاملة، يجعل ان هذه التراثات، بما تحمل من غنى إنسانيّ، تصبح، مع الزمن، ملك الإنسانية جمعاء. فالكنيسة تحترم القيم الإنسانية وتساعدها لكي تتطهّر فتصبح قيمة، ذات أبعاد جامعة وشاملة، إذ في كل قيمة تراثية دينامية حية تغني الإنسان وتساعده على بناء شخصيته بنياناً طموحاً متقدّماً ومتطوّراً. لذلك فللتراث مكان في كل منهج تربوي وتعليمي.

4 – الخلاصة الرابعة: لمدارسنا هوّية حوارية انفتاحية ومسكونية وحدوية:

إن الأديار، في طبيعتها، وبخاصة منذ ان تنظّمت الحياة المكرّسة تنظيماً جديداً في نهاية القرن السابع عشر، قائماً على المركزية على صعيد الإدارة، وعلى الانفتاح، حتى إلى أقاصي الأرض، على صعيد الشهادة والعمل والرسالة، هي أديار مسكونية، تضمّ فيما بين أبنائها، أعضاء من جميع الكنائس، يعيشون معاً الأخوّة بكل أبعادها ويعملون معاً في خدمة كل إنسان ويشهدون أمام الجميع لخلاص الله الذي حمله ابنه مخلّصنا إلى جميع الناس، محترمين موقف كل إنسان وتاركين له ملء الحرية في خياراته على كل الصعد. من هنا لم يصدف مرة ان مدارسنا الكاثوليكية، مثلاً عملت على ما يُسمّى بالارتداد، أي على التخلّي عن الكنيسة الأم للانضمام إلى كنيستنا. ان أديارنا وبخاصة مدارسنا تشكّل دعوة إلى عيش المسكونية، هذا الاختبار الذي يدعو بدوره إلى الوحدة فيما بين الكنائس وليس إلى الاقتناص، اقتناص الأفراد.

من جهة أخرى ان أديارنا، وعلى مثالها مدارسنا، هي أمكنة حوار بالعمق وانفتاح بامتياز، إلى حدّ أننا أكدّنا ما تقوله كتبنا المقدّسة وهي ان الدير هو بيت الله والناس. فانطلاقاً من هذا المفهوم يحاول الرهبان ان يقدّموا لتلاميذهم والزائرين تجربتهم الإنسانية الأخوية واختبارهم الروحي كجماعة ليتورجية. وهذا يظهر في ان الدير الماروني لا يعيش كجزيرة في قلب محيطه، وإنما كموقع منفتح للجميع وفي علاقة معهم، بحيث يكون، في اختباره وعيشه جواباً إنسانياً واجتماعياً وروحياً وفكرياً لمحيطه وأبنائه، على مختلف تنوعهم وقناعاتهم.

في الحقيقة، إن الجماعة المارونية هي، في الأساس، تلك العيلة التي، انطلاقاً من قناعتها طبقاً لحاجاتها، تبني لها كنيسة، تُدعى كنيسة عائلية، لها مذبحها الخاص، وتشيّد لها ديراً مع أوقاف تكون بحجم العائلة. تكون الكنيسة ذلك المكان الذي تجتمع فيها العيلة للتسبيح والشكران وسائر الاحتفالات الليتورجية؛ ويكون الدير تلك المساحة التي تستضيف، من "وقفها"، في الدرجة الأولى، للتفكير والصلاة والاسترشاد والتسبيح وممارسة الأخوّة.

5 – الخلاصة الخامسة: التحديات والآفاق

التحديات التي تعترض مسيرة الأديار وبخاصة مدارسها هي كثيرة وأكثر من أن تُحصى، خاصة في ظلّ الأوضاع الراهنة. فالدولة ما زالت تفتقر إلى العديد من المقوّمات لكي تتمكّن من القيام بدورها. علينا أن نساعدها، وهذا أمر واضح؛ ولكن علينا أن نساعد أولاً المواطنين، لأنه إذا كنا ننتظر جهوزيتها، يكون القطار فات شريحة لا يستهان بها من المواطنين وبخاصة من الأولاد والشبيبة. وحرام أن نترك هذه القوى الحيّة، التي تشكّل المستقبل، تدور في فلك ما إليه يطمحون ولا يجدونه. هذا الفراغ يشكّل ضربة قاسية لشبابنا، تفتح الباب أمامه للهجرة بحثاً عن مجالات تحقيق الذات والعيش بسلام. والهجرة جرح دائم؛ إذا ما تركناه  ينـزف يهدّد الوطن بالزوال.

أمام هذه التحدّيات تقف الرهبنات فتتعرّف إلى حدودها وتسعى لأن تصمد، لئلا يضرب اليأس أبناء مجتمعها. صحيح بأننا لن نستطيع اجتراء العجائب، خاصة والرهبنات ما زالت تفتقر إلى الإمكانيات اللازمة والكادرات الضرورية، لكن الإرادة مصمّمة على الخروج من المآزق، مجنّدة كل طاقاتها وإمكانياتها والطموحات. وفي الوقت عينه، ان الرهبنات تمدّ اليد بشجاعة وسخاء لتتضافر القوى ويتكثّف التعاون مع جميع أصحاب الإرادات الصالحة. فبالاتحاد القوة وبالتعاون الخلاص للجميع! ويبقى لبنان وطن الرسالة، رسالة الفكر والقيم والأخوّة الشاملة، ومساحةً للتعاون والتضامن".

وتحدّث الأب علوان عن "دور الأديار في نهضة التعليم والثقافة في لبنان".

لا تجوز معالجة هذا الموضوع وايفاؤه حقّه في المدة الوجيزة المخصصة لهذه المداخلة. ولا أسمح لنفسي أن ادعي ذلك في صرح أكاديمي كالجامعة الأنطونيّة العزيزة, وأمام هذا الحضور المميّز من أهل العلم والثقافة ومن الرهبان والراهبات الذين توافدوا مشكورين للاستماع إلى هذه المداخلة وفي ذاكرة كل منهم عدد كبير من أبناء رهبانيتهم أبدعوا في ميادين الأدب والفن والموسيقى والرسم والتأليف والترجمة وما سواها من تشعبات الثقافة والمعرفة وأنواعها، وهم يتشوّقون ربما، إنصافًا لهم وللفنون التي أبدعوا فيها، إلى سماع أسمائهم في هذه المداخلة القصيرة.

عذرًا أيّها السادة،

في أي حقبة تاريخية أحدد الموضوع؟ الحكم التركي، أم عهد الاستقلال؟ حقبة ما قبل المجمع الفاتيكاني الثاني أم الفترة المعاصرة؟

عن أي كنيسة أتكلم وعن أي دير وأي رهبنة؟ عن المارونية، أم عن الملكية، أم عن السريانية، أم عن الأرمنية، أم عن اللاتينية؟

عن أي نوع من الأدب أتحدث في كلامي؟ التاريخ، أم اللغة، أم الشعر؟

إلى أي فن من الفنون أتطرق في حديثي؟ الموسيقى؟ أم الرسم؟ أم الغناء؟ أم المسرح؟

عن أي إرث ثقافي أتحدث؟ الايقونوغرافيه، أم المخطوطات، أم المحفوظات أو المكتبات؟

عذرًا مرة أخرى، إن اتساع الموضوع وغزارة المادة يجعلاني عاجزًا عن الكلام عن دور الأديار في النهضة الثقافية والفكرية إن لم أحدد الأطر الجغرافية والتاريخية والرهبانية للموضوع، وأنتقي، من ثم، من البستان الرهباني باقة صغيرة من أزهاره.

Top 

 كلمة الأب خليل علوان, رئيس عام جمعية المرسلين اللبنانيين

 

الأطر الجغرافية والتاريخية للنهضة الثقافية

عندما نشأت الرهبنات كان لبنان، لا بل كان الشرق الأوسط بكامله، يرزح تحت النير العثماني. ولم يكن للثقافة والعلم والفنون الجميلة ملجأ سوى الأديار. ففيها تفتحت من جديد براعم اللغة العربية بعد سُبات عميق كاد يقضي عليها. وفي تلك الأديار أيضًا حافظ الرهبان على التراث حفاظهم على حدقة العين. إنّما لم تستطع الرهبنات، كسواها في الدول الغربية، من تطوير الانتاج الثقافي والعلمي والإبداع الفني، ليس فقط بسبب سطوة الحكم التركي، بل أيضًا بسبب الفقر المدقع الذي عاشه الناس. ومما لا شك فيه أن الرهبان في لبنان قد لعبوا دورًا كبيرًا في إرساء النهضة العربية، تمامًا كما فعل رهبان القديس بندكتوس في أيام الملك شارلمان في أوروبا وبَعده.

فبعد انهيار معالم الحضارة العباسية على يد هولاكو المغولي سنة 1258، غرق العالم العربي في سُبات عميق لم يستفق منه إلاّ بعد خمسة أجيال، كما يقول بطرس البستاني: "على دوي مدافع نابوليون في وادي النيل وقرع أجراس الأديار في شِعاف لبنان ووديانه". وكان قد مهّد لهذه النهضة العربية تلامذة المدرسة المارونية في روما وخلفاؤهم في خط مستمر. كما يُعتبر المطران جرمانوس فرحات، في أوائل القرن الثامن عشر، رائد هذه النهضة بما ترك من مؤلفات في حقل اللغة العربية، ومن هذه المؤلفات ما هو مطبوع ومنها ما لا يزال مخطوطًا.

أما دور الأديار والرهبنات في هذه النهضة الثقافية في لبنان فنختصره في أربعة محاور:

1.      المحافظة على الإرث الثقافي

2.      الحفاظ على التراث الكنسي

3.      نشر الثقافة والعلم

4.      اعتماد الطباعة والنشر والتكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة

 

1- دور الأديار في الحفاظ على الإرث الثقافي

لعبت الرهبنات في لبنان دورًا كبيرًا في الحفاظ على الإرث الثقافي في كنائسنا المشرقية. فرغم النكبات العديدة التي حلت بأديارنا، فقد بقيت هذه الأديار تكتنز داخل جدرانها أهم ما ترك لنا الأجداد من أيقونات ومخطوطات ومحفوظات وأرشيف ومكتبات ومتاحف. ونكاد لا نجد ديرًا من أديار لبنان إلاّ واحتفظ بكل هذه الكنوز أو بشيء منها. وإذ لا سعني أن أقدّم نظرة شاملة كاملة على ما تحوي أديارنا سأركّز كل مرة على رهبنة أو دير من أديار هذه وتلك.

 

* الأيقونات واللوحات:

حافظت الأديار على اللوحات الفنية والأيقونات المقدّسة، رغم أن الترميم لم يكن علميًّا في غالبية الأحوال. واللوحات الزيتية الموجودة في الأديار وضعها فنانون لبنانيون وإيطاليون وأرمن. أما الأيقونات البيزنطية وغيرها فهي من صنع مدرسة أورشليم ومدرسة دمشق. وعندما نتحدث عن الأيقونات تتوجه أنظارنا إلى أديار الآباء الشويريين والحلبيين والبولسيين والبلمند ومعظم الأديار والكنائس الأرثوذكسية، ولكن تتوجه أنظارنا بنوع خاص إلى دير المخلص في جون، الذي يحوي على أكثر من مئة أيقونة شرقية معظمها بيزنطي وملكي، ويعود تاريخها إلى أوائل القرن الثامن عشر. لقد حافظ الرهبان عليها رغم مرور الدير بست نكبات كان آخرها عام 1985. وقد شاركوا في مجموعة من الأيقونات في معرض باريس وفرانكفور، وكانت الأيقونات هذه موضوع أطروحة لدراسة عليا للآنسة لور حصري، وهي تعمل حاليًّا لمتابعة هذه الدراسة كأطروحة دكتورا.

 

* المخطوطات [1] :

كادت الأديار أن تكون المخبأ الوحيد للمخطوطات العديدة التي دوّنها الرهبان على مدى قرون. ولعلّ السبب في حفظ هذه المخطوطات في الأديار هو الاستعمال المتواصل لها من قِبَل الرهبان في مطالعاتهم أو في صلواتهم اليوميّة. أمّا أنواع المخطوطات التي احتفظوا فيها عن طريق الشراء أو النسخ فهي متعددة. فهناك الكتب المقدسة وصلوات الفرض الإلهي، وكتب الآباء وتفسير الكتاب المقدس وكتب الفلسفة والتاريخ والطب والهندسة والأدب والشعر وعلم الأبراج وإلى ما لا نهاية له من أنواع المؤلفات المسيحية والإسلامية على السواء. وقد نشر المونسنيور نصرالله أربعة مجلدات لفهارس المخطوطات المحفوظة في الأديار اللبنانية، إلى جانب ما جمعه الأباتي بطرس فهد من محفوظات رهبانية، إلى ما كتبه الأب ابراهيم حرفوش في مجلة المنارة وما لا يزال منه غير مطبوع. والأب لويس شيخو في مجلة المشرق، وبولس سباط في ثلاثة مجلدات، وغيرهم ممن وضعوا الفهارس وبوبوها ووصفوها وصفًا علميًّا سهّل من خلالها العودة إليها للاطلاع على مضامينها. وفي سنة 1997 باشر الخوري ناصر الجميّل بطبع مجموعته "النساخ الموارنة ومنسوخاتهم" بخمسة أجزاء ضخمة، جمع فيها ما يزيد على 4500 ناسخًا لمخطوطات موزعة في مكتبات لبنان والشرق والغرب. وهذا الرقم ينقصه الكثير من المخطوطات التي لم يعثر هذا المؤرخ الناشط على أسماء ناسخيها بسبب فقدان الصفحات الأولى والأخيرة منها حيث يعلّققق الناسخ اسمه عليها عادة. ولا أنسى في هذا المضمار عمل غيورغ غراف Georg GRAF في موسوعته حول التراث العربي المسيحي وما احتوى من الإشارة إلى مخطوطات رهبانية، كما لا أنسى العديد من المخطوطات الرهبانية التي انتقلت في القرون الماضية من أديارنا إلى مكاتب الفاتيكان وباريس وبرلين والمتحف البريطاني ومكاتب غوتنبرغ واسبانيا والبرتغال وغيرها من المكتبات الكبرى التي أتاحت للعديد من المستشرقين الإفادة منها لدراسة حضارتنا وتراثنا ولاهوتنا، أذكر على سبيل المثال لا الحصر:

Edmond Beeck, Arthur Voobus, Sebastian Broock, François Graffin, P. Fiey

وغيرهم وغيرهم من الذين يعود إليهم الفضل في التعريف بحضارتنا وبثقافتنا.

 

* المحفوظات والأرشيف:

في الأبرشيات والرعايا لم يسلم إلا القليل من كتب العمادات والأكاليل والوفيات، أما في الأديار، فقد حافظ الرهبان والراهبات على كل وثيقة وردت إلى الدير وكل كتاب صدر عن رئيسه أو وصل إليه، ودفاتر الحسابات. كما حُفظت بعناية ما سمي ماجريات الأديار، وهي كناية عن سجلات كبيرة دوّنت فيها الأحداث التي مرّ بها الدير، فغدت للباحثين مرجعًا تاريخيًّا قيّمًا جدًّا. ولا أنسى هنا العديد من العائلات التي وقفت أرزاقها، ووهبت أموالها، وسلمت أوراقها إلى الأديار. وأذكر هنا على سبيل المثال أوراق آل بيطار – غوسطا المحفوظة في دير الكريم وكانت موضوع دراسة معمقة لإحدى الطالبات في الجامعة اللبنانيّة، وقد استفاد الباحثون وأساتذة الجامعات من هذه الوثائق العتيقة لتكوين فكرة عن أسماء العائلات التي سكنت تلك القرية أو المدينة ومستواها المعيشي ونوعية الضرائب العثمانية، كما وعن التجارة والصناعة والأسعار، فكانت المادة الأولى في صناعة وبناء تاريخ لبنان الحديث.

 

* مكتبات:

قد لا يخلو دير أو انطش من مكتبة تجمع على رفوفها العديد من الكتب القديمة والجديدة، وفي جميع ميادين العلم والمعرفة. وهذه الكتب هي من نتاج فكري محلي وعالمي. وقد راجت في بداية القرن الماضي شراء الكتب اللاهوتية والفلسفية الأجنبية لتكون أداة لتدريس اللاهوت في الأديار قبل تأسيس الكليات اللاهوتية والإكليريكيات. فإننا نجد مثلاً في المكتبة العامة لجمعية المرسلين اللبنانيين التي وضع نواتها المؤسس نفسه واشتراها بماله الخاص، خلال اسفاره إلى أوروبا، حوالي 40 ألف مجلد، وقد حوت منذ تأسيسها، عددًا مهمًّا من المجموعات اللاهوتية، منها مجموعة مين Migne باللاتينية واليونانية إلى جانب الكثير من الكتب التي يعود تاريخ طباعتها إلى القرن السادس عشر، يوم كانت المطابع في بدايتها. وأذكر هنا على سبيل المثال كتاب أعمال وقرارات المجمع التريدنتيني المطبوع في باريس باللاتينية سنة 1564، أي بعد انتهاء المجمع بسنة واحدة.

 

* المتاحف:

لم يعِ الرهبان أهمية حفظ الموجودات الثمينة في متاحف إلا في الجيل الماضي وبتأثير مباشر من الغرب. ولكن الأشياء الثمينة قد حفظت بتان في الأديار وتسلمتها الأجيال بموجب لوائح وجردات كانت تسلم بكل عناية من رئيس دير إلى من يخلفه في الرئاسة. أما المتاحف الحديثة فقد تميز بها دير الرهبان الأرمن في بزمار. وتحوي خزانات هذا المتحف أكثر من ثلاثة آلاف قطعة مرقمة ومفهرسة في جداول علمية محفوظة في واجهات زجاجيّة تظهر فرادتها الفنية والعلمية. وهذا المتحف يشكل بحدّ ذاته خلاصة الفن الأرمني الديني والزمني على السواء.

 

* استثمار الأرض والحفاظ على الثروة الحرجية والاهتمام بالبيئة

من المعروف أيضًا أن الرهبنات اللبنانية تمتلك أراض شاسعة، لا بل قل مزارع وقرى بكاملها، عاش فيها شركاء الدير الذين كانوا يعملون جنبًا إلى جنب مع الرهبان ويتقاسمون وإياهم غلال الأرض وخيراتها. وللرهبان يعود الفضل في استصلاح الأراضي والحفاظ عليها وعدم بيعها، فلمجلس الرؤساء العامين وقفات وطنية مجيدة في هذا المضمار. وإليهم يعود الفضل أيضًا في الحفاظ على الثروة الحرجية والاهتمام بالبيئة، كما وفي استيراد المزروعات الغربية كالتفاح والخرما وأنواع عديدة من الكرمة التي اعتنى بها الرهبان بنوع خاص وأسسوا على اثر ذلك الخمّارات لصناعة النبيذ الذي يعتقوه في أقبية الأديار والعرق وجميع مشتقات عصير الكرمة. إلى جانب الاكتفاء الذاتي من صناعة النبيذ، اشتهر دير سيدة بزمار للرهبان الأرمن ودير كساره للآباء اليسوعيين في هذا المضمار.

 

* الحفاظ على الهندسة المعمارية

يعود للأديار والكنائس الفضل في الحفاظ على الأنماط المعمارية على مدى العصور والتي تمتد من عهد الصليبيين سرورًا بالقرون الوسطى ووصولاً إلى الجيل الحالي. وفي الحفاظ على هذه الأبنية المشيدة باعتناء وترميمها بحسب الأصول الفنية، وبعضها لا يزال يحتفظ بجدرانيات وزجاجيات قيّمة رغمًا عن تقلبات الزمن، تُعدُّ ثروة كبيرة للفن المعماري اللبناني. وأذكر هنا عدًّا لا حصرًا: دير مار انطونيوس خاشبو، ومار أنطونيوس قزحيا، ودير الكريم غوسطا، ودير عشاش، ومشموشة، ومار الياس الراس، ومار يوحنا حراش، ومار اشعيا برمانا، وسيدة اللويزة، وغيرها من الأديار الشاهدة على حقبات من الزمن تميز بالبساطة والروعة في آن.

 

2- دور الرهبنات في الحفاظ على التراث الكنسي

للرهبنات في لبنان دور أساس في الحفاظ ليس فقط على الممتلكات المادية إنّما على الإرث الروحي والثقافي معًا، ومنها الألحان الطقسية، والمدارس الايقونوغرافية، واللغات الطقسية والأصول الليتورجية.

 

* الألحان الطقسية

إنّ الألحان المارونية، على سبيل المثال، احتفظ بها الرهبان في أديارهم بسبب استعماهل صلوات الفرض والرتب الطقسية. وبفضل هذه المحافظة تبلورت الفروقات بين مختلف المدارس، وظهرت الفوارق في الألحان تبعًا لكل مدرسة. ويعود الفضل لجامعة الروح القدس التي سعت مشكورة إلى ضبط الألحان والحفاظ عليها من النسيان بحيث نوّطتها وعرّبت المعاني وجعلتها في متناول الجميع بعدما كانت سريانية وفي متناول الرهبان والإكليروس. ولم يكتفِ الرهبان في الحفاظ على الألحان وتطويرها وتحديثها إنّما ألفوا ولحّنوا العديد من الأناشيد الروحية التي غدت كلاسيكية. نذكر هنا الأب يوسف الخوري الراهب اللبناني، والأب بولس الأشقر الأنطوني ، والأب ألبير شرفان الأنطوني، والأب خليل رحمه المريمي وغيرهم ممن أصبحوا من أركان التلحين الحديث في طقسنا الماروني. ومن الملحنين والموسيقيين الشويريين نذكر البطريرك مكسيموس الثاني حكيم، والمطران اغناطيوس جربوع، والأب رومانوس بشاره، والأرشمندريت ثاوفيلوس خلف وغيرهم.

 

* المدارس الايقونوغرافية

لن أطيل الكلام عنها، ولكني أؤكد على الحفاظ على المدارس الايقونوغرافية الشرق أوسطية بفضل الرهبنات الملكية كالمخلصيين والحلبيين الباسيليين والشويريين التي تحولت أديارهم إلى مشاغل حِرَفية كان لها الفضل في بقاء هذا الفن الكنسي المقدس بامتياز. وأذكر هنا الراهب يوسف صيدح الدمشقي (1795) وكيرللس بيطار الدمشقي (1790) وبطرس الخوري وكلهم من الرهبان الشويريين والراهبة الشويرية ميلاني حسواني. ومن الرسامين على القماش المعاصرون الأب بولس أبو رجيلي والأب اغابيوس سماحة الشويريون، والأب شربل أبي خليل الأنطوني الذي تميّز أيضًا بالجدرانيّات والزجاجيّات والنحت على الحجر والخشب.

 

* اللغات الطقسية والأصول الليتورجية

ولن يغيب على بالنا ما للرهبنات  من اثر على الحفاظ ضمن الأديار على اللغات الطقسية، كالسريانية واليونانية والأرمنية، وعلى الحفاظ على الأصول الليتورجية من روبريكات وغيرها.

وأنوه هنا بجميع الرهبان الذين كتبوا قواعد اللغة السريانية وغراماطيقات والقواميس وكتب النحو والصرف، ككتاب اللباب للقس جبرائيل القرداحي (1931)، وكتاب القس جرجس الرزي (1893)، والمطران يوسف دريان، والأباتي طوبيا العنيسي ، وكلهم من الرهبنة المريمية، والأبوين نعمة الله القدوم الكفري (1908)، وبولس الخوري الكفرنيسي (1913) وهما من الرهبنة اللبنانية، وكتاب منائر الطقسيات للأبوين نعمة الله مبارك وابراهيم حرفوش المرسلين اللبنانيين، والذي غدا القاعدة الأساس الرسمية لكل احتفال ليتورجي ماروني.

 

3- دور الرهبنات في نشر الثقافة والعلم

لم يهتمّ الرهبان في حفظ التراث وحسب، بل كان لهم المساهمة الفعّالة والدور الريادي في إرساء النهضة العربية الحديثة، عن طريق النسخ والتأليف والترجمة.

 

* النسخ

لقد ضبط الخوري ناصر الجميّل في كتابه المشار إليه عددًا كبيرًا جدًّا من النساخ الرهبان الموارنة، مما يدلّ على مقدار التزام الرهبان في نقل المعرفة وحفظها. ومن الخطاطين والنساخ الملكيين هناك عدد كبير، نذكر منهم بنوع خاص الأب العام الشويري ديمتري جامد (1871).

 

* التأليف

أما التأليف، فلا حاجة لنا في الحديث عنه، لعلمنا ان في كل واحدة من رهبناتنا عددًا كبيرًا من المؤلفين في اللاهوت والروحانيات والأدب والتاريخ واللغة والصرف والنحو، وغيرها من فنون العلم باللغة العربية واللغات الأجنبية.

أما الدواوين الشعرية والقصائد الدينية والأدبية فقد أجادها الرهبان  في كل عصر. نذكر على سبيل المثال المطران جرمانوس فرحات والمطران عبدالله القراعلي، والمطران يوسف دريان، والأب يعقوب الكبوشي، والآباء الكريميين يوسف مبارك، بولس الخوري، يوحنا سعاده، ويوحنا السبعلي. ومن المحدَثين نذكر الأب بولس الأشقر الأنطوني، والأب فيليب صعيبي الكريمي، والأب روفائيل مطر، والأب الحبيس يوحنا خوند الراهب اللبناني. ومن الشعراء والأدباء الشويريين نقولا الصايغ والأرشمندريت برثلماوس صليبا، والأب اغابيوس رياشي، والب نقولا معلوف وغيرهم كثيرين.

في الفن المسرحي، اشتهر المرسلون اللبنانيون بكتابة المسرحيات الدينية. وقد عُرف عن الأب يوسف مبارك والأب يوحنا السبعلي، والأب بولس السخن كتابتهم لتمثيليات دينية عديدة. كما وللأبوين يوحنا سعاده ونعمة الله مبارك ترجمة تمثيليات عن الفرنسية. ومن الآباء الشويريين الأب أيوب فلوح مترجم مسرحيات طاغور، والأب بولس نخله اليسوعي مؤلف ومترجم مسرحيات عديدة. ويعود الفضل في إحياء هذا الفن من جديد إلى الأب فادي تابت، الذي طوّر المسرح الديني فأخذ معه بعدًا نضاليًّا، وتحول إلى مسرح استعراضي ملتزم ومغناة تظهر التراث في أجلى صوره.

 

* الترجمات

كان تلاميذ المدرسة المارونية الرومانية الأوائل قد نقلوا إلى العربية عددًا كبيرًا من الكتب الروحية واللاهوتية الغربية التي طُبع بعضها ولا يزال البعض الآخر مخطوطًا. وتابعً الترجمة الأب فروماج اليسوعي، ثم المطران جرمانوس فحات. وبعده سعى الرهبان إلى ترجمة العديد من الكتب التي يصعب احصاؤها. وإنّما أشير فقط إلى كتاب "اللاهوت الأدبي" للعلامة الإيطالي غوري اليسوعي الذي نقله إلى العربية المطران يوحنا حبيب وطبعه بجزئين. ثم عاد الأب ابراهيم حرفوش النظر فيه وزاد عليه الكثير من الحواشي والشروحات وطبعه بثلاثة أجزاء ضخمة، وكان هذا الكتاب اللاهوتي الوحيد الذي ظلّ يُدرَّس في الإكليريكيات والأديار لمدة طويلة من الزمن.

 

4- دور الرهبنات في الطباعة والنشر وفي التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة

لم تكن الطباعة والنشر والتكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة غريبة عن عالم الرهبان، بل وسائل استخدموها لنشر الكلمة، وكانوا الروّاد في هذا المجال. فهم أول من استقدموا المطابع إلى الشرق، وطبعوا المجلات الدينية والثقافية، وأسسوا الإذاعة والتلفزيون وبنوا محطات الانترنيت.

 

* المطابع

من المعروف أن الرهبان هم الذين، منذ حوالي 400 سنة، (أيقبل تنظيم الرهبنة الحالية بـ 85 سنة) أسسوا أولى المطابع في الشرق. فمن مطبعة دير مار انطونيوس قزحيا (1610) إلى مطبعة الشماس عبدالله زاخر (1748) في دير مار يوحنا الخنشارة، إلى المطبعة الكاثوليكية لليسوعيين، إلى مطبعة دير طاميش، إلى مطابع الكريم للمرسلين اللبنانيين الذين أسسوا أيضًا مطبعة عربية في الأرجنتين، إلى مطبعة المرسلين البولسيين، وما رافق هذه المطابع من أجيال من العمال الذين عملوا فيها وتلقنوا مهنة الطباعة، وأسسوا فيما بعد مطابعهم الخاصة. وقرية درعون التي امتازت بمطابعها هي أكبر شاهد على ذلك.

والرهبنات اللبنانية اعتمدت الصحافة في جميع أشكالها وطرقها لإيصال كلمة الرب إلى المؤمنين.

 

* الصحافة المكتوبة

عمل الرهبان على إصدار المجلات الدينية والثقافية في لبنان وبلدان الانتشار، منها ما هو ذات مستوى علمي راقٍ ومنها على مستوى الشعب المؤمن العادجي، ولا يزال بعضها يصدر إلى الآن. وهي اليوم من أهمّ المراجع لدراسة التاريخ واللاهوت والأدب، بمختلف فروعها. أذكر هنا أهمّها: جريدة البشير ومجلة المشرق للآباء اليسوعيين، الميناء والسنابل وكلمة الشرق وأوراق رهبانية للرهبان اللبنانيين، وكوكب البرية والميدان وحياتنا الليتورجية وما تفرع عنها للرهبان الأنطونيين، والمنارة وسيدة لبنان وجريدة المرسل بالاسبانية والعربية في الأرجنتين للمرسلين اللبنانيين، والوحدة والرسالة المخلصية للرهبان المخلصيين، والمسرة للآباء البولسيين، وغيرها، ناهيك عن المجلات والنشرات الموسمية التي تصدر عن الجامعات والمدارس التي تديرها الرهبنات في لبنان.

 

* الصحافة المسموعة:

أما الصحافة المسموعة فكان للمرسلين اللبنانيين الفضل في إطلاق مشروع صوت المحبة، وهي الإذاعة الدينية والثقافية التي شرّعت أبوابها منذ تأسيسها على كل كنيسة، واعتمدت الحوار لحضارات والأديان نهجًا، والانفتاح والتسامح سياسة، والمسكونية لاهوتًا، وكان لجميع اللغات المحكية في لبنان زاوية فيها مثل العربية والفرنسية والانكليزية والأرمنية والسريلنكية وغيرها. وكانت أولى المحطات الإذاعية في لبنان تطل على العالم عبر الانترنيت، وقد انتقلت اليوم إلى الفضائية لتغطي معظم بلدان العالم.

 

* الصحافة المرئية

وللصحافة المرئية عبر التلفزيون، كان للرهبان دور ريادي. لم يكن لهم محطة تلفزيونية ، إنّما كان لهم المساحة الكبرى في برامج محطة التيليلوميار. وإنهم يكادون يشكلون نسبة 80%  من معدّي البرامج ومقدّميها.

 

* الصحافة في العولمة

إن الصحافة في ظل العولمة عُرفت بالانترنيت. هذه الشبكة العالمية التي قصّرت المسافات وشبكت الناس بعضهم ببعض. ودخلت في كل بيت، جعلت من الصحافة كلاًّ لا يتجزأ، فالمكتوب والمسموع والمرئي منها انصهر في واحد اسمه شبكة الانترنيت. والرهبنات في لبنان لم تكن غريبة عن هذا العالم الجديد، فاقتنت لذاتها شبكات ومواقع ومحطات، منها على سبيل المثال محطة الأوبوس ليباني التي توزع خطوطها على الرعايا والأبرشيات والرهبنات والمدارس والجامعات، واستضافت موقع البطريركية المارونية، والمجمع الماروني، ومجلس البطاركة والأساقفة في لبنان، وموقع إنجيل بلا حدود، وغيرها من المواقع الدينية التي غدت وسائل تبشيرية بامتياز.

 

خاتمة

إذا كان الدير في الماضي، ولا يزال والحمد لله، معقل الثقافة والعلم والفنون الجميلة فهذا لم يعد كافيًا بنظري. إن الثقافة اليوم في ظل العولمة، وعالم الاتصالات، وعلى اثر الحادي عشر من أيلول 2001، تفرض علينا دورًا قياديًّا أساسيًّا في إرثاء حضارة المحبة وتثبيتها في هذا الشرق. إن الأديار في لبنان مدعوة لأن تكون واحات للتلاقي والحوار وأخذ المبادرات للتقارب الفكري والثقافي. إن علمنا اليوم يعني من الانقسام الفكري والايديولوجي والديني، ووحدها الأديار في هذا الشرق قادرة أن ترأب الصدع وتكون الرائدة في إرثاء ثقافة التنمية، وثقافة الحوار، وثقافة الحياة، وثقافة السلام. وشكرًا.

 


 

[1] FAHD, B., Catalogue des manuscripts syriaques et arabes (Rome, 1972) [Colège Mariamite Maronite].

FIEY, J.-M., Les études syriaques et les manuscrits arabes chrétiens de Paris, in : MIDEO 12 (1974) 211-216 [Catalogue de G. Troupeau].

McCULLOUGH, J.C., Manuscripts in Syriac script, in Catalogue of MSS of the Library of the Near Eastern School of Theology, Beirut, Lebanon, in: NEST Theological Review 4 (1981) 116-120.

MALKI, E., Die syrische Handschrift Berlin Sachau 220. (Heidelberger orientalische Studien 6, 1984). Rec.: S.P. Brock, in JSS 30 (1985) 298-301; voir aussi J.-M. SAUGET, in: AION 45 (1985).

MANGO, M.M., Patrons and scribesindicated in Syriac manuscripts, 411 to 800 AD, in: JBOG 32/4 (1982) 3-12.

NEES, L., Two illuminated Syriac manuscripts in the Harvard College Library, in: CahArch 29 (1980/1) 123-142.