في إطار سلسلة ندوات بعنوان
لبنان الجديد في مواجهة الأسئلة القديمة
يسرّ
رئيس الجامعة الأنطونيّة
أن يدعوكم إلى المحاضرة الافتتاحيّة
التي يلقيها
معالي الدكتور جورج قرم
الطائفية، السيادة، والاستقلال: نظرة تاريخيّة
يدير النقاش الإعلاميّ علي حماده
الزمان: الجمعة 25 تشرين الثاني 2005، الساعة الخامسة بعد الظهر
المكان: الجامعة الأنطونيّة، قاعة العمداء، الحدث – بعبدا
كلمة الأب انطوان راجح
رئيس الجامعة الأنطونيّة
لا شك في أن لبنان يشهد اليوم مرحلة جديدة فيها كل مخاض الجدة وحيرتها.
وأحد أسباب الحيرة أن الأسئلة التي تنتاب الضمير اللبناني على عتبة كل استحقاق هي نفسها، مع فوارق بسيطة، تلك التي أقلقت رجال النهضة والإستقلال.
فهل يجد العقل اللبناني لمسائل مثل الطائفية والإنتماء والتوافق وغيرها إجابات نهائية تسمح لغدنا أن يكون أكثر من تكرار حتمي وغبي لزلات ماضينا؟ أم أن قدرنا أن تبقى هويتنا وشكل نظامنا وركائز اقتصادنا وقواعد عيشنا معًا علامات استفهام وعقد تجاذب ومضادات للمضي في استنباط أسئلة جديدة واجتراح غد حقيقي الجدة؟
على وقع هذه التساؤلات، نفتتح اليوم سلسلة محاضرات بعنوان "لبنان الجديد في مواجهة الأسئلة القديمة".
نفتتحها مع وجه بارز في حياتنا السياسية والثقافية، وجه مختلف ومخالف، يعرف كيف يقرأ أزمة الأفكار خلف الأزمات التي تتصدّر واجهة الأحداث.
إنه معالي الدكتور جورج قرم يفتتح ورشة التفكير في أسئلة لبنان القديمة-المتجددة، ويفتح عقولنا على مصاريعها لقراءة تاريخية لمفاهيم الطائفية والسيادة والإستقلال، مفاهيم مفخخة بالأحلام والأوهام والهواجس، وقد استأثرت بأدبيّاتنا السياسيّة والإيديولوجية عمرًا، ولم يزدها التداول، في وطن كثر فيه الكلام وقل الحوار، إلا التباسًا.
باسم الجامعة الأنطونية، أرحب بالدكتور قرم ضيفًا يعتز به منبرنا، وبالأستاذ علي حماده وهو خير من يجيد تثمير الحوار والسمو به من التنافس الكلامي إلى التفاكر والتكامل والتواصل، وأرحب بكم شركاء في ورشة التفكير هذه وفي كل نشاط يمليه الإنهمام بلبنان.
كلمة د. جورج قرم
1- العرض التاريخي
إستعرض المحاضر المراحل التاريخية الأساسية التي مرّ بها لبنان منذ أن برز ككيان في النظام الدولي والدور الذي لعبته تباعاً الطوائف اللبنانية، فقد ذكر بداية دور الزعامة الدرزية في عهد الأمير فخر الدين في إنشاء علاقات مع إيطاليا في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، ممّا كلّفه غالياً في مجابهته مع السلطنة العثمانية، إنما قد ساعد ذلك على توسّع دور الطائفة المارونية في لبنان بشكل عام وفي علاقات الطائفة مع كل من إيطاليا وفرنسا. ثم استعرض تجربة الأمير بشير الشهابي الذي بعد أن بقي محايداً ايام الحملة الفرنسية لنابليون بونابرت على مصر وفلسطين، إنحاز إلى معسكر فرنسا بفتح البلاد أمام جيوش إبراهيم باشا المصري وقد أدّى ذلك إلى تعرّض لبنان الى هجمة بريطانية كبيرة، وقد نشبت في نفس الفترة خلافات حادة بين الأمير وآل جنبلاط، وقد أدّت هذه التطورات الإقليمية والمحلية إلى أول موجة عنف في جبل لبنان بين الموارنة والدروز. وانتهى الأمر الى إنشاء نظام القائمقاميتين، إحداهما مارونية الطابع وتحت النفوذ الفرنسي، وأخرى درزية الطابع، تحت النفوذ العثماني – الإنكليزي.
لم يدم هذا النظام إلا عشرين سنة إذ اندلعت بعد ذلك مجدداً الفتنة الطائفية بين الدروز والموارنة عام 1860 ونتج عن ذلك مزيد من تدخل الدول الأوروبية الكبرى في وضع الجبل. وتمّ تأسيس نظام المتصرفية الذي يمكن أن يعتبر نظام وصاية مشتركة على لبنان بين الدول الأوروبية والسلطنة العثمانية. ونتيجة هذه العقود من الاضطراب والفتنة، تأكدت وضعية لبنان في النظام الدولي كدولة حاجز (أو عازل) « Etat tampon » تتحمل عبء التدخلات الأوروبية والعثمانية الثقيلة للهيمنة على الشرق. والحقيقة أن الطوائف اللبنانية أصبحت تتحول من جرّاء هذه التطورات من كنائس مسيحية أو مذاهب إسلامية ذات الطابع الروحي والديني إلى مؤسسات سياسية الطابع بالدرجة الاولى على أنقاض الإقطاع التقليدي، وقد أصبحت منخرطة في شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي للدول الأوروربية أو السلطنة العثمانية. وهذا تحوّل جذري في بنية لبنان حيث أصبحت الطوائف أجسام سياسية متبدلة الأهمية حسب تذبذبات قوة أو ضعف شبكة نفوذ الدول الأوروربية والسلطنة العثمانية. ويمكن أن ننظر إلى التغييرات في نظام توزيع الحصص الطائفية في نظام الحكم في لبنان، من المتصرفية إلى اتفاق الطائف، على أساس أنها تعكس التبدلات في ميزان القوى في الشرق الأوسط.
وفي هذه الوضعية كدولة حاجز، إكتسبت أهمية الطوائف رمزية كبيرة جداً على الصعيد الدولي، فقوة أو ضعف الطوائف المسيحية تعكس وضع الدول الغربية الحامية لها ومدى نفوذها في المنطقة، أما الطوائف الإسلامية، فأصبحت قوتها أو ضعفها تعكس مدى نفوذ الدول العربية والإسلامية المختلفة، خاصة بعد انهيار السلطنة العثمانية ونيل الدول العربية استقلالها. ولهذا السبب تحوّل الكيان اللبناني من كيان ثقافي حضاري غني الطابع الى ساحة عراك سياسية.
وقد نتج عن وضعية لبنان كدولة حاجز ثقافة سياسية منحرفة يمكن تسميتها بـ " ثقافة القناصل"، بمعنى أن السياسيين اللبنانيين يخضعون بشكل شبه حصري لما يقولونه لهم سفراء الدول الكبرى في بيروت أو ما تبتغيه بعض الدول العربية ذات الأهمية الإقليمية مثل مصر أو السعودية أو سوريا، بالإضافة اليوم إلى إيران غير العربية والمسلمة في سياساتها الإقليمية. وأي استعراض لتاريخ الكيان اللبناني بعد استقلاله عام 1943، يؤكد بأن لبنان لم يعش في حالة استقرار ووفاق بين طوائفه إلا عندما تكون المنطقة في حالة هدوء. أما عندما يشتد الصراع الإقليمي والدولي للسيطرة على الشرق الأوسط، وعندما يشتد أيضاً الصراع العربي الإسرائيلي، فإن الاستقرار اللبناني يتزعزع بشكل مأساوي، كما حصل بعد أزمة السويس عام 1956 ومحاولة الدول الغربية إدخال لبنان في حلف إقليمي مع إسرائيل ضد الإتحاد السوفياتي، وكذلك بعد حرب 1967 وتوغّل المنظمات الفلسطينية المسلّحة في لبنان بعد تفكيك الأجهزة الأمنية اللبنانية من قبل الزعامات السياسية التقليدية المناوئة لسياسة الرئيس فؤاد شهاب الذي كان يسعى إلى تجنيب لبنان التعرّض إلى عدم الاستقرار.
ويظهر جلياً من هذا التحليل التاريخي الموجز أن إعطاء الطوائف اللبنانية وضعاً مميزاً في القانون العام كقاعدة للوجود اللبناني وكهيئات وسيطة بين المواطن ودولته، لهو أمر يتناقض تماماً مع مفهوم السيادة. ولم تكن نظريات الديمقراطية التوافقية وفدرالية الطوائف كما وضعها ميشال شيحا إلاّ كلاماً جميلاً يخفي وضعاً مأساوياً يكبّل السيادة من جهة، كما يؤمن إعادة إنتاج الزعامات الطائفية ذاتها التي تعطي ولاءها إلى دول غربية أو عربية أو إسلامية قبل أي نوع من الولاء إلى الدول اللبنانية من جهة أخرى. وتتقاسم هذه الزعامات خيرات البلاد وتنهبها بشكل متواصل تحت نظريات اقتصادية سطحية تدّعي التكيّف مع "الخصوصية اللبنانية"، بينما هي في الحقيقة مسؤولة عن هذا النزيف المدمّر من العقول والقدرات البشرية اللبنانية وتشتتها في كل أرجاء العالم على حساب ازدهار ورقي البلاد. وكان الشيخ موريس الجميّل قد وصف الزعامات والوجاهات السياسية الإقطاعية المتسلّطة على مقدرات البلاد على أنها تجلب الخراب على البلد وذلك في إحدى محاضراته في الندوة اللبنانية في كانون الأول 1952. وقد أصبحنا نسمّي اليوم هذه الممارسة الطائفية السياسية - الإقتصادية "نظام المحاصصة" الذي يؤمن استمرار نهب البلاد وكبت قدراتها الإقتصادية والمالية والبشرية.
2- مدخل إلى التغيير
ما العمل لتغيير هذه الحالة؟ هناك مستويات عدة يجب تضافر الجهود فيها لتحقيق الحد الأدنى من التغيير:
خاتمة: نحو عقد إجتماعي جديد
إن هذه الأسس الجديدة يمكن أن تكون قاعدة لعقد اجتماعي متجدد بين اللبنانيين يعزز الوحدة الوطنية. والعودة إلى دعامة الميثاق الوطني، وهو مبدأ الحياد في النزاعات الإقليمية، لا يعني طبعاً القضاء على الطابع العربي للبنان. بل على العكس من ذلك، فإن على لبنان أن يتمسّك بمبادىء أساسية كانتمائه للمنطقة ورفض أي هيمنة أجنبية عليها، وكذلك رفض التوطين ومؤازرة الفلسطينيين في عدالة قضيتهم ورفض الممارسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والمنطقة؛ كما عليه أن يتمسك بالمفهوم الحضاري للعروبة، كما طوّره الأب يواكيم مبارك في كتاباته النيّرة.
ويجب هنا ختاماً التركيز على أن اللبنانيين، وفي طليعتهم المسيحيين منهم، قد نبّهوا منذ بداية القرن الماضي الى المخاطر الكائنة في المشروع الصهيوني الذي يرفض التعددية الدينية التي امتازت بها المنطقة منذ أقدم التاريخ والتي يجب أن يبقى لبنان معقلاً صامداً للحفاظ عليها وكذلك بطبيعة الحال، على كل أنواع الحريات.
لكي نستوعب العبر من تاريخنا المعاصر الغني والمعقّد والمؤلم في آن معاً، علينا أن نستفيد من الظروف الصعبة التي نمرّ بها حالياً لكي نُدخل الكيان اللبناني في حالة النضوج والاستقامة، ونحرّره من أي نوع من الهيمنة الخارجية وتسلّط زعاماته المرتبطة بالخارج عليه. وإذا لم ينجح الجيل الشاب اللبناني في تأسيس الحرية والسيادة بعد التخلص من النظام الطائفي البغيض كما هو ممارس اليوم، فإن لبنان سيبقى معرّضاً لعدم الاستقرار بشتى أنواعه أو للوقوع في هيمنة اخرى غير الهيمنة السورية.
تحدث عن " الطائفية، السيادة والاستقلال: نظرة تاريخية" في الجامعة الأنطونيّة
قرم: إنتخاب رئيس الجمهورية إنتخاباً مباشراً من الشعب، بغض النظر عن انتمائه الطائفي
في اطار سلسلة ندوات بعنوان "لبنان الجديد في مواجهة الأسئلة القديمة"، نظمت الجامعة الأنطونيّة محاضرتها الافتتاحية عن "الطائفية، السيادة، والاستقلال: نظرة تاريخية" التي ألقاها الوزير السابق الدكتور جورج قرم في قاعة العمداء في فرع الجامعة في الحدث-بعبدا. حضر اللقاء الوزير السابق ناجي البستاني ومستشار وزير الخارجية يوسف صدقة ممثلاً الوزير فوزي صلوخ ورئيس الجامعة الأنطونية الأب انطوان راجح والأمين العام للجامعة الأنطونية الأب فادي فاضل وعمداء الجامعة وأساتذتها وطلابها.
النشيد الوطني افتتاحاً فكلمة تمهيدية عن موضوع المحاضرة ألقاها مدير اللقاء الاعلامي علي حمادة. ثم كانت كلمة لرئيس الجامعة الأنطونيّة الأب أنطوان راجح قال فيها: "لا شك في أن لبنان يشهد اليوم مرحلة جديدة فيها كل مخاض الجدة وحيرتها. وأحد أسباب الحيرة أن الأسئلة التي تنتاب الضمير اللبناني على عتبة كل استحقاق هي نفسها، مع فوارق بسيطة، تلك التي أقلقت رجال النهضة والإستقلال." اضاف راجح: "فهل يجد العقل اللبناني لمسائل مثل الطائفية والإنتماء والتوافق وغيرها إجابات نهائية تسمح لغدنا أن يكون أكثر من تكرار حتمي وغبي لزلات ماضينا؟ أم أن قدرنا أن تبقى هويتنا وشكل نظامنا وركائز اقتصادنا وقواعد عيشنا معًا علامات استفهام وعقد تجاذب ومضادات للمضي في استنباط أسئلة جديدة واجتراح غد حقيقي الجدة؟. على وقع هذه التساؤلات، نفتتح اليوم سلسلة محاضرات بعنوان "لبنان الجديد في مواجهة الأسئلة القديمة".".
خلص قرم الى اعتبار " أن الطوائف اللبنانية أصبحت تتحول من جرّاء هذه التطورات من كنائس مسيحية أو مذاهب إسلامية ذات الطابع الروحي والديني إلى مؤسسات سياسية الطابع بالدرجة الاولى على أنقاض الإقطاع التقليدي، وقد أصبحت منخرطة في شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي للدول الأوروربية أو السلطنة العثمانية. وهذا تحوّل جذري في بنية لبنان حيث أصبحت الطوائف أجسام سياسية متبدلة الأهمية حسب تذبذبات قوة أو ضعف شبكة نفوذ الدول الأوروربية والسلطنة العثمانية. ويمكن أن ننظر إلى التغييرات في نظام توزيع الحصص الطائفية في نظام الحكم في لبنان، من المتصرفية إلى اتفاق الطائف، على أساس أنها تعكس التبدلات في ميزان القوى في الشرق الأوسط.وفي هذه الوضعية كدولة حاجز، إكتسبت أهمية الطوائف رمزية كبيرة جداً على الصعيد الدولي، فقوة أو ضعف الطوائف المسيحية تعكس وضع الدول الغربية الحامية لها ومدى نفوذها في المنطقة، أما الطوائف الإسلامية، فأصبحت قوتها أو ضعفها تعكس مدى نفوذ الدول العربية والإسلامية المختلفة، خاصة بعد انهيار السلطنة العثمانية ونيل الدول العربية استقلالها. ولهذا السبب تحوّل الكيان اللبناني من كيان ثقافي حضاري غني الطابع الى ساحة عراك سياسية."
من جهة ثانية، طرح قرم آلية تحرك نحو تغيير الواقع معتبراً أن هناك مستويات عدة يجب تضافر الجهود فيها لتحقيق الحد الأدنى من التغيير:
· أولاً: تبديل النظام الانتخابي الحالي الذي يؤمن إعادة إنتاج الزعامات ذاتها أو أولادها، وذلك بإجراء الانتخابات على دورتين إذا تمّ الحفاظ على النظام الأغلبي أو إلى إدخال نظام النسبية في العملية الإنتخابية وهو الحل الأفضل لأنه يؤمن تمثيلاً صحيحاً لكل الحساسيات والاتجاهات السياسية في البلاد.
· ثانياً: إلغاء القرارين المشهورين للمندوب السامي الفرنسي العائدين إلى عام 1936 واللذين جعلا من الطوائف والمذاهب الدينية اللبنانية قاعدة النظام العام، ذلك أنه يتحتم إعادة الطوائف إلى وضعها كهيئات مدنية.
· ثالثاً: إنتخاب رئيس الجمهورية إنتخاباً مباشراً من الشعب، لكي لا تتدخل الدول والسفارات الأجنبية في هذه العملية، بغض النظر عن انتمائه الطائفي، على أن يُتفق فيما بين اللبنانيين بأن لو انتخب رئيساً من المذاهب الإسلامية ، يُختار حكماً رئيس الوزارة من المذاهب المسيحية. ولمزيد من الضمانة باستحالة وصول شخص غير معتدل طائفياً الى سدّة الرئاسة، فيمكن أن يكون نظام انتخاب الرئيس على مرحلتين بحيث لا يتبارى في المرحلة الثانية إلا المرشحان اللذان نالا أكبر قدر من الأصوات، شرط أن يكونا قد حصلا على عشرين بالمئة على الأقل من الأصوات في كل قضاء من أقضية لبنان في المرحلة الأولى. أما فيما يختص بمجلس النواب، فلا بدّ من الحفاظ على المناصفة بين عدد النواب من المذاهب الإسلامية والمذاهب المسيحية على أن يتم إزالة القيود في التوزيع الفرعي للنواب بين المذاهب المختلفة ضمن كل كتلة دينية.
· رابعاً: العودة إلى المبدأ الأساسي في الميثاق الوطني فيما يتعلّق بوضع لبنان في الحياة السياسية الإقليمية والدولية، خاصة في النزاع على المنطقة بين الدول الغربية وإسرائيل من جهة، والدول العربية والإسلامية التي تمارس الممانعة لهذه الهيمنة، من جهة أخرى. والحقيقة أن لبنان كان سباقاً في اختراع مبدأ الحياد الإيجابي قبل تأسيس حركة عدم الانحياز في مؤتمر "بندونغ" (Bandoung) عام 1954. ويجب أن نعود إلى هذا المبدأ بشكل صارم، خاصة في الظروف الحالية، حيث تشهد الساحة الشرق أوسطية اشتداد النزاع للهيمنة تحت وطأة السياسة الأميركية للرئيس جورج بوش. كما أن على لبنان أن يستمر في نشر قيمه التقليدية في قبول التعددية الدينية وجعلها ثروة حضارية كبيرة بدلاً من تحوّلها إلى مادة صراع داخلي بين الطوائف يندرج في الصراع الاقليميي والدولي على المنطقة.
· خامساً: على لبنان أن يطلب من سفراء الدول الغربية ومن أجهزة الإعلام اللبنانية المتتبعة لتحركاتهم أن يلتزموا قواعد العمل الدبلوماسي التي تقضي بواجب عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعدم إعطاء التصاريح اليومية، وعدم الاتصال بالأحزاب والقوى السياسية المحلية بالشكل الكثيف الذي يقومون به للتأثير عليهم.
سادساً: يجب العودة إلى مبدأ فرعي آخر للميثاق الوطني وهو الحياد اللبناني في النزاعات بين الأقطار العربية نفسها، وعدم منح أية دولة عربية امتيازات في لبنان، أكانت سياسية أو مالية أو اقتصادية أو عقارية كما هو الحال الآن. وإذا كان لا بد من الحفاظ على علاقات جوار ممتازة مع جارتنا سوريا التي محكوم علينا أن نعيش الى جانبها، فهذا لا يعني "علاقات مميزة" كما أتى في اتفاق الطائف. فلبنان عضو في الجامعة العربية، ويجب أن تكون علاقاته مع كل الدول الأعضاء في الجامعة علاقات متعادلة ومتساوية. هذا لا يمنع أن نحافظ على مؤسسات التعاون المشتركة بين لبنان وسوريا لتنظيم التعاون الاقتصادي في شتى الميادين.
|