|
كلمة الأب انطوان راجح
رئيس الجامعة الأنطونيّة
عندما ألقت الحرب اللبنانيّة أسلحتها التقليديّة بعدما تحوّل الوطن بكلّ مرافقه
وقطاعاته سدوما كبيرة، قلنا ما من شيء أفظع من سدوم وكلّ مبادرة لتغييرها هي حكما
خطوٌ باتّجاه الاعمار اذ لا مزيد من الدمار ممكن. لم نكن نعرف أنّنا سندخل بلبل
السّلم وسياساته العشواء، ونتعوّد الهروب بخطى سندباديّة من تحت دلفة الهدر والفساد
والانفاق غير المنظّم الى تحت مزراب الشلل الاقتصادي المطلق وتجيير القسم الاكبر من
الناتج المحلّي الى خدمة الديون.
بابل اقتصاديّة تحرم فيها القطاعات المنتجة من الدّعم والتخطيط ليغدق
بالمال على البنى التحتيّة والخدمات وجيوب المحسوبين، ومن وقت لآخر، تنتابها نوبات
متقطّعة من التطهير الاداري واعادة هيكلة الديون وعصر النفقات وغيرها من الشعارات.
والمواطن...أينه من كلّ ذاك؟ انّه متسمّر أمام شاشة التلفاز يحاول أن
يفكّ طلاسم الموازنات المتعاقبة والتي يحرص النظام على أن تكون مناقشتها في المجلس
النيابي علنيّة. وسنة تلو أخرى، يبشّر بمؤشّرات نموّ وخطط خمسيّة وعشريّة، والمسكين
مستعدّ للقبول بخطط خمسينيّة شرط أن يتيقّن أنّ للنفق نهاية، وأنّ لقمة عيشه
ومستقبل أبنائه ليسا أسيري بلّور المنجّمين أو أيادي المراهنين في بورصة التسويات
الدوليّة. وانتهى به الامر الى حيرة كلية لا مؤكّد فيها سوى خبرة الجوع الزاحف من
تحت الابواب.
واليوم، يسأل المواطن ونسأل على غرار كانط: بم يحقّ لنا أن نتأمّل؟ فلقد
تهنا في مجاهل الارقام والارقام المضادة، وفذلكات أقلّ ما يقال فيها انّها تثبت
نظريّة Disraeli
من أنّ الارقام هي الوسيلة الحديثة للنفاق.
سؤالنا اذن: هل نحن محكومون بأن نبتر أجزاء من سيادتنا وكياننا، ونوقّع
سلاما أمرّ من الحرب، مقابل فكّ طوق أحكمنا لفّه على عنق اقتصادنا؟ هل ما زال من
المسموح علميا التفكير في تأسيس اقتصاد لبنانيّ مبادر ومتجدّد ليس مجرّد تحايل على
الأزمات وبرمجة لها أم أنّنا سنبقى أسرى مزاجيّة المساعدات الخارجيّة، مضطرّين
للتوطين والتطبيع وغيرها من الاثمان الباهظة؟
سؤالنا بصيغة أخرى: هل أضحى التفاؤل سذاجة كبرى أم أنّه ما زال الاستثمار
فيه ممكنا ولو على سبيل المغامرة؟
سؤالنا واحد من أسئلة قديمة كثيرة تنتاب لبناننا الجديد أو المتأمّل بأن
يكون أكثر من استعادة لأخطاء الامس. سؤال نحمله الى اختصاصييّن يجمعان واقعيّة
الخبراء الى تفاؤل الشباب واصراره.
أرحّب بالدكتور سامي نادر اذ يشرّف منبر جامعتنا للمرّة الاولى، وأكتفي
بتجديد تأكيدي لصاحب المعالي الاستاذ دميانوس القطّار أنّ الرهبانيّة الانطونيّة
والجامعة اللتين تحتلاّن في قلبه وعقله مكانة مميّزة بين اهتماماته المتكاثرة
تفخران بصداقته.. كما أشكر السيدة سابين عويس، الاعلاميّة التي تلطّف جفاف
الاقتصاد
بحضورها المحبّب وأترك لها ادارة هذه الجلسة بالحيويّة المعهودة .
******************************************************************
ندوة "نحو اقتصاد لبناني متجدد لا يرتكز على إدارة الأزمات"
في
اطار سلسلة ندوات بعنوان "لبنان الجديد في مواجهة الأسئلة القديمة" نظّمت الجامعة
الأنطونيّة ندوة بعنوان "نحو اقتصاد لبناني متجدد لا يرتكز على إدارة الأزمات" شارك
فيها وزير الاقتصاد السابق دميانوس قطار والخبير الاقتصادي الدكتور سامي نادر في
قاعة كليّة الهندسة في الجامعة. حضر الندوة مستشار رئيس الجمهورية فادي النمار
ممثلاً الرئيس إميل لحود والرئيسة العامة لراهبات السان تريز الأخت ماري ايلي بشارة
وممثلين عن قطاعات اقتصادية وإداريي الجامعة وطلابها.
راجح
النشيد الوطني افتتاحاً فكلمة لرئيس الجامعة الأب أنطوان راجح قال فيها: "واليوم،
يسأل المواطن ونسأل على غرار كانط: بم يحقّ لنا أن نتأمّل؟ فلقد تهنا في مجاهل
الارقام والارقام المضادة، وفذلكات أقلّ ما يقال فيها انّها تثبت نظريّة ديزرائيلي
"Disrael"
من أنّ الارقام هي الوسيلة الحديثة للنفاق. سؤالنا اذن: هل نحن محكومون بأن نبتر
أجزاء من سيادتنا وكياننا، ونوقّع سلاما أمرّ من الحرب، مقابل فكّ طوق أحكمنا لفّه
على عنق اقتصادنا؟ هل ما زال من المسموح علميا التفكير في تأسيس اقتصاد لبنانيّ
مبادر ومتجدّد ليس مجرّد تحايل على الأزمات وبرمجة لها أم أنّنا سنبقى أسرى مزاجيّة
المساعدات الخارجيّة، مضطرّين للتوطين والتطبيع وغيرها من الاثمان الباهظة؟.
عويس
ثم
كانت كلمة تمهيدية عن موضوع الندوة ألقتها مديرة اللقاء الاعلامية سابين عويس ومما
قالته: "ان اقتصاد لبنان الذي يعيش منذ أعوام طويلة تداعيات مالية واقتصادية عدة
ترتكز على ادارة أزمة نشأت بسبب توجهات طموحة لفترة ما بعد الحرب ولا سيما مرحلة
بناء الدولة وما نتج من التمادي في اقرار سياسات بعض مؤسساتها والتي ندفع اليوم ثمن
عواقبها " معتبرة "أن قراءة تجارب الماضي هي مفيدة لبناء المستقبل." كما تساءلت
أيضاً عويس عن الامكانات المتاحة اليوم أمام الاقتصاد اللبناني ليجد ذاته ويتغلب
على أزماته بدلاً أن يكتفي فقط في ادارتها."
نادر
بداية شدد الخبير الاقتصادي الدكتور سامي نادر على أنه "من الخطأ القول أن الخصخصة
تؤمن مصلحة الرأسمال على مصلحة القطاع العام." قال: "اذا تمت الخصخصة ضمن شروط
المنافسة الحقيقية فهي كفيلة أن تؤمن خدمة بجودة عالية وكلفة منخفضة وهذا يؤمن
أولاً مصلحة المستهلك." من جهة ثانية، اعتبر نادر أن المواضيع الاقتصادية هي أساسية
لأنها تؤثر على الوضع المعيشي للانسان وتحكم الخيارات الاقتصادية على مدى السنوات
المقبلة. كما حدد نادر "أننا أمام تحديين رئيسيين في السنة 2006: الأول اقتصادي
ويدخل في ضرورة معالجة أزمة المديونية والثاني يرتكز على تحدد الرؤيا التي تعتمد
على ميزات تفاضلية ورسم الخطوات العملية لوضع لبنان على طريق النمو. في هذا السياق،
رأى نادر أننا نحتاج الى "حصر النفقات وتخفيض الادارة العامة وترشيد النفقات واقرار
برنامج اصلاحي ضروري لقيام خطة اقتصادية حقيقية. في ما يختص بمعالجة أزمة المديونية
فقد اعتبر نادر على أن " المعالجة تبدأ أولاً في وضع موازنة قبل دفع خدمة الدين
العام فضلاً أن اقرار الاصلاحات أصبح اليوم حاجة ماسة وواجب لا سيما في الادارات
العامة التي تضم تقريباً 10 في المئة من الشعب اللبناني. قال: "هذه النسبة عالية
ونحتاج الى تخفيف عدد العاملين في القطاع العام رغم ان هذا الاجراء يعتبر خطوة
"موجهة " - اذا صح التعبير - للمعنيين فيها." كما ركز نادر على أهمية اقرار بعض
الاصلاحات التي وصفها بالممكنة وغير المكلفة ولا سيما في العمل على استقلالية
القضاء وفصل السلطات لأن هذا يشجع المستثمر على المبادرة في جملة مشاريع في لبنان."
أما النقطة الثانية التي يجب العمل فيها في سنة 2006 كما قال نادر فترتكز على فرص
نجاح المؤتمر الذي سينعقد في بيروت كما كان الحال مع مؤتمري باريس 1 و 2 مؤكداً على
ضرورة تحديد موقع لبنان على الخريطة الاقتصادية ."
قطار
أما
وزير الاقتصاد السابق الدكتور ديميانوس قطار فقد عرض لمشكلة الشباب اللبناني الذي
يعاني من فقدان فرض العمل مما يؤدي به الى الهجرة. كما رأى انه لا يمكن معالجة
الوضع الاقتصادي من دون معالجة الوضع السياسي معتبراً أنه لا يمكن أن نعالج الوضع
السياسي دون معالجة الواقع الجيو- السياسي في لبنان. من جهة ثانية، اعتبر ان لبنان
عانى تاريخياً من ازمات كثيرة أولها كانت أيام العثمانيين والانتداب حين كان لبنان
دولة الحاجز تحولت فيه الطوائف من دينية الى سياسية تقاسمت المغانم المتاحة لها.
أضاف أنه عندما انتهت الحرب انتقلنا الى دولة المواجهة في: السياسة والدبلوماسية
والاقتصاد والمالية والتربية والاعلام. كما حدد قطار عنوانين هذه الدولة بأنها
ترتبط في: التحرير في السياسة ووحدة المصير في الدبلوماسية والاعمار في الاقتصاد
وانفاق مبني على الاستدانة في المالية والطائفية في التربية والانحياز في الاعلام
تلك كانت استراتجية دولة المواجهة. ثم انتقل في كلامه الى المرحلة الراهنة التي
اعتبرها مفصلية وقال: "اما أن يصبح لبنان دولة الاستقرار أو دولة اشتعال في
المنظومة الجديدة للمنطقة. قال: "هل يمكننا في هذه المنظومة الجديدة أن نحقق
الاستقلال في سيادة الانتاجية في الاقتصاد المدنية في التربية والتعددية العادلة في
الاعلام." كما ربط قطار الاصلاح بتغيير ذهنية المسؤولين وبدور فعال للشباب في
المحاسبة معتبراً ان البلد تحول عام 2000 من دولة المواجهة الى دولة اللاوعي حيث
صار هناك شللاً كاملاً وتاماً في الدولة. قال: "وحدها الفائدة كانت قائمة. كنا ندفع
كل ساعة 300 الف دولار خدمة دين عام." |