Activités
Sportives
 
   
 
 
 
 
 
 

 
   
 
La cérémonie d'hommage à S.E.Mgr Simon ATALLAH






 

l l l
l l l
l l
l l
l l
      l

 

Allocution du P. Fady FADEL
Secrétaire Général de l’Université Antonine

Excellences,
            Honorables invités,

            Ce soir, notre rencontre se situe dans le sillage d’hommages rendus à Mgr. ATALLAH, par l’Ordre Antonin Maronite, les institutions antonines et les initiatives amicales. Mais en même temps, cet hommage se distingue des précédents et peut-être des suivants hommages. En effet, il émane d’une institution d’une grande importance et pour la vie de l’homme et pour la vie de la société. Il s’agit de l’Université, qui veut dire culture, et la culture est l’élément indispensable d’une vie pleinement humaine.

            Hommage, Université et Culture, tous dédiés ce soir à Mgr. ATALLAH qui a dignement gravé son nom dans l’histoire de l’Université Antonine comme l’un des Pères Fondateurs.

            Père Fondateur, Mgr. ATALLAH, avec vous l’Université Antonine est devenue une véritable génératrice de culture, sous ses diverses expressions, un lieu de fort rayonnement de la culture.

            L’hommage qui vous est rendu ce soir à travers la publication du nouveau livre du Père Recteur Antoine RAJEH « La vie religieuse dans l’optique canonique », dont vous êtes l’auteur de l’introduction, (cet hommage) est un signe de reconnaissance de votre souffle d’inspirateur et de pionnier dans la fondation de cette institution.

            Dans les années 40 du siècle passé, Etienne-Emile Baulieu se demandait : « Comment l’indomptable recherche scientifique va-t-elle rester au service du mieux-être physique et mental de tous ? » 20 ans après, il trouva la réponse: Deux maîtres mots : éducation et éthique, qu’il faut traduire en pratique.

            Bien cher Mgr. Simon,

            Afin de rendre encore plus pratique l’hommage de cette institution de culture dont vous étiez le Chancelier, j’ai le plaisir d’annoncer que l’Université Antonine vient d’éditer et de publier vos discours prononcés au cours de plusieurs manifestations scientifiques et culturelles en son sein, de telle façon qu’elle puisse partager la lumière de vos paroles avec les chercheurs de la lumière, la vraie lumière.

            Enfin, vous qui êtes désormais Archevêque de la cité du soleil, Baalbeck et Deir El Ahmar, nous vous offrons la possibilité de pouvoir rayonner au-delà des frontières du diocèse en vous dédiant un site internet de votre nouveau diocèse… À vous par la suite de l’alimenter de vos messages impérissables.

            Théophile Gautier disait : « On naît (du verbe naître) académicien, comme on naît archevêque, officier, ou cuisinière, et celui qui doit l’être ne meurt pas avant de l’avoir été ».

            Nous souhaitons à Mgr. ATALLAH une longue vie fertile dans son épiscopat et à vous honorables invités la bienvenue ce soir parmi nous et chez vous.

            Je laisse dès à présent la parole à l’animateur du panel M. Souheil MATAR.

                                                                                                            Merci de votre attention.

 

 

 

كلمة الأستاذ سهيل مطــر

أيها الأصدقاء

لماذا أنا بالذات خادم هذا اللقاء؟  ولماذا أحمل قلمي وصوتي وقلبي وانتقل من جامعة أعتزّ بها الى هذه الجامعة الشقيقة، لأتحدّث على منبرها؟ 

أجيب بحكاية:

كان، يا ما كان، منذ أكثر من أربعين سنة، فتى جردي في الثامنة عشرة من عمره، يدخل الى المعهد الأنطوني، يحمل شهادة بكالوريا مضرّجة بالعرق والدمع، وشهادة فقر حال موقّعة بشفتي أمّه وصلواتها.  يصل، يطلب عملاً، يستجيب الرئيس الراهب، البدل عن التعليم /150/ مئة وخمسون ليرة لبنانية فقط...  وتبدأ المسيرة.

أيها الأصدقاء
أعذروني، ذلك الفتى هو انا، ومن هنا ابتدأت، وأنا مدين لهذه الأنطونية، فشكراً.

أما بعد،

فيا صاحب السيادة

أنا خاطىء، دعني أحوّل القاعة الى كرسي اعتراف،

واسمح لي أن أعترف لكم وأمام هذا الحضور الكريم... ومن كان منكم بلا خطيئة فليرجمني بحجر.

 خطيئتي الأولى: أنني لست على علاقة ودودة مع بعض رجال الدين، كما انّني لا أنتمي الى حزب الإكليروس...  ربما، هم، أفضل وأطيب وأطهر...  وكل أفعال التفضيل، ولكنّني أشعر بالرهبة والخوف منهم. هي عقدتي، أعترف، وقد حملتها، منذ طفولتي، عندما كنت أرى خوري الضيعة، أو Ma sœur، يحمل القضيب، يهوّل، يخوّف، ينذرنا بالشيطان الرجيم.

أيها الأصدقاء...  الله لا يخيف ولا يخاف، وليس بحاجة الى هتافات:  بالروح والدم... ولا الى من يدافع عنه، بل هو بحاجة الى من يضيء الطريق اليه.  ومن نجتمع حولهم، اليوم، المؤلّف، وسيادة المطران، وقدس الأب العام، هم من هؤلاء الذين يضيئون الطريق، فشكراً لهم.

الخطيئة الثانية: انني حسود...  وسبب حسدي هو هذا الأب الراجح عليّ:  يُثير فيّ كل أنواع الغيرة. 

يعمل، يتعب، يرأس جامعة، يهتمّ بالتفاصيل، يلاحق القضايا الأكاديمية والإدارية...  وفوق ذلك، المحكمة، والقانون والمحاماة، وهو يدرس ويدافع ويرافع، ثم ينصرف الى الكتابة ويؤلّف...  كيف تستطيع، يا رجل، أن تطوّع الزمن وتدجّنه، وأنا الفقير اليه تعالى، يوجعني الزمن والعمر.  وتريدون ألاّ أكون حسوداً؟

الخطيئة الثالثة: انني أشتهي مقتنى غيري، لماذا؟  لأنّ هذا الأب الرئيس قادر على الترفّع في هذا الزمن الساقط. غريب هذا الرجل كأنّه لا يعيش مشاكل مجتمعه: فلا تشنّج ولا توتّر، ولا رفع أيدي وقبضات وسواطير، وفي كتابه، لا توجد أيّة مسبّة أو شتيمة أو تهمة. معقول؟ ليتني أستطيع أن أكتب بمثل هذه الأناقة والسلاسة والموضوعية.  شكراً، أبت الرئيس، تتحدّث في القوانين، ونحن نتلذّذ كل يوم، في ضرب القوانين وتجاوزها وإسقاطها. 

 الخطيئة الرابعة: انّني على خط تماس مع الخطيئة، فيما أنظر الى صاحب السيادة المطران سمعان عطالله، فلا أرى إلاّ براءة القلب.

والذي يقهرُني، أنني، إن تحدّثت في الحب، اتّهمت ووجّهت إليّ الأصابع والإشاعات، أما هو فيتحدّث في الحبّ، كملك، ويُسمع له كأمير، ولا أحد ينظر اليه بريبة أو شكّ.  في مقدّمته لكتاب الأب راجح، ردّد كلمة حب عشرات المرّات، والحبّ عنده أبعد من القوانين، أما أنا، ان تحدّثت عن حب، أبعد من القوانين، رُشقت بألف تهمة وإشاعة.

شكراً لك، صاحب السيادة، تعيدنا في زمن الحقد والفرقة والدخان، الى روحانية الحبّ وعظمته.

 

 

كلمة قدس الأباتي الياس خليفه
الرئيس العام للرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة

الأسقفيّة والرهبنة عبر التاريخ

          يطيب لي بمناسبة تكريم سيادة المطران الراهب سمعان عطالله سليل الرّهبانيّة الأنطونيّة المارونيّة الجليلة، أن أتأمّل معكم بدور الأسقفيّة والحياة الرّهبانيّة في الكنيسة. وأقدّم هذه الأفكار عربون تقدير ومحبّة لصاحب السيادة السامي الاحترام.

 

لا يمكن أن نفهم الأسقفيّة والرهبنة في علاقتهما المتبادلة إلاّ من خلال مهمّتهما في الكنيسة، جماعة المؤمنين بالمسيح، التي ضمَّنها الله الآب مخطّطه الخلاصي، وحقّقها بابنه المتجسّد في روحه القدوس. علينا أولاً أن نحدّد مكانهما ودورهما في الكنيسة لنستطيع في ما بعد أن نقارن بينهما.

 

أولاً: الأسقفيّة في الكنيسة

إذا رجعنا إلى كتب العهد الجديد، لاسيّما إلى كتاب أعمال الرسل ورسائل القديس بولس، نرى أنّ الخدمة الأسقفيّة جاءت استمرارًا للخدمة الرسولية في الكنيسة. لقد أقام الربّ يسوع هذه الخدمة عندما دعى تلاميذه "بعد أن أمضى الليل كلّه في الجبل يصلي ولما كان النهار دعى تلاميذه واختار منهم اثني عشر سمّاهم رسلاً" (لوقا 6 : 12-16). كان لهذه التسمية مدلولاً محدّدًا في أيام يسوع اذ كان الرسول (seliah شليحا) يتكلّم ويعمل بإسم من أرسله وبطريقة صحيحة وشرعيّة. أمّا المهمّة التي أرسلهم إليها فهي الكرازة بملكوت الله: "وأرسلهم يكرزون ملكوت الله" (لوقا 9: 1-6). وقبل صعوده الى السماء قال لهم يسوع: "لقد أعطيت كلّ سلطان في السماء وعلى الأرض، إذهبوا إذًا فتلمذوا كلّ الأمم وعمّدوهم بإسم الآب والإبن والروح القدس.... وها أنا معكم كلّ الأيّام إلى منتهى الدهر" (متى 28: 16-20).

إنتشر الرسل في جميع أقطار العالم المعروف في تلك الأيّام، من الهند في أقصى الشرق حتى اسبانيا في أقصى الغرب، حيث أعلنوا حدث يسوع المسيح الخلاصي وأسّسوا الكنائس وأقاموا فيها خدّامًا للكلمة والأسرار. هؤلاء خلفوا الرسل في مهمتهم وسمّوا أساقفة أي قيّمين وناظرين على الجماعة المؤمنة. إنّ القديس اغناطيوس الإنطاكي (+110)، خليفة الرسل المباشر على كنيسة أنطاكية، قد ترك لنا تعليمًا واضحًا في الرسائل التي وجّهها إلى بعض الكنائس حول مهمّة الأسقف وكيف مورست في الكنيسة بعد غياب الرسل.

لكن لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المهمّة الرسولية لم تنتقل في جميع مكوّناتها الى الخدمة الأسقفية. فالأسقف لم يختره الربّ يسوع بذاته ولم يكن شاهدًا لأقواله وأعماله لاسيّما لحدث موته وقيامته كما جاء في كتاب أعمال الرسل عندما اختار الرسل متيّا ليحل مكان يهوذا الاسخريوطي: "ينبغي لواحد من الرجال الذين رافقونا طوال المدّة التي تردّد يسوع بيننا، ابتداءً من معموديّة يوحنا إلى اليوم الذي رُفع فيه عنّا، أن يكون شاهدًا معنا بقيامة الرب يسوع" (أعمال 1: 21-23). من الواضح أنّ هذه الشروط لا تتوفّر في الأساقفة لهذا لم يدعوا رسلاً. ولكن تبقى الكرازة بملكوت الله الذي تحقّق بيسوع المسيح وتلمذة الأمم وتعميدُهم المهمّة الأساسيّة الموكولة الى الكنيسة بواسطة الخدمة الاسقفية. وهذا ما عبّر عنه المجمع الفاتيكاني الثاني عندما حدّد الخدمة الاسقفيّة بأنّها خدمةٌ تعليميّة (وإعلان ملكوت الله) وتقديسيّة (إقامة الأسرار) وإداريّة (تدبير شؤون الكنيسة). هذا يعني أنّ في كلّ كنيسة محليّة أسقف يؤمّن هذه الخدمة الموكولة إليه من الربّ يسوع بواسطة التسلسل الرسولي والمضمونة من الروح القدس الذي يعمل في الكنيسة عبر التاريخ.

لقد وصف التراث السرياني الماروني الخدمة الأسقفية بأنّها خدمة تكميل ودعى الأساقفة، باللغة السريانية "جموإآ" أي المكمّلون لأنّهم يتمّمون جميع الأمور الصعبة كالميرون والتكريسات والرسامات وغيرها. وبهذه نبلغ الاتحاد الكامل بالله".

ونقرأ في "كتاب الكهنوت" المنسوب للقديس يوحنا مارون ما يلي: "إنّ لنا منحا غزيرة وعظيمة تندفق علينا من عند الله الذي لا تحدّ نعمه وأعظم هذه المنح هي منحة التألّه (مةالؤنوةا) التي لأجلها مُنحت رئاسة الكهنوت (الأسقفية) حتى يتألّه بها الذين يقبلونها من الله.... ولما كانت الجودة الإليهة مهتمّة بخلاص البشر قد منحتهم رئاسة الكهنوت ليستطيعوا بواسطتها الخلاص الذي لا يكون بدون التألّه... إن رئاسة الكهنوت هي علّة جميع الخيرات...وهي تحتوي جميع الأقداس إذ بها يكتمل رئيس الكهنة ويشترك بكافّة الأقداس وهي شاملة جميع أسرار البيعة مثل المعمودية والميرون وتقريب القربان".يتمتّع الأسقف إذًا بالكمال أي بالتألّه ويكمّل ويؤلّه أبناء البيعة الموكولين إليه بإعلان كلمة الله وبإقامة الأسرار.

يستند هذا الكلام عن التألّه والتأليه في الخدمة الأسقفية على الواقع الذي عاشته الكنيسة في أجيالها الأولى أي خلال القرون الثلاثة الأولى عندما كانت الشهادة للمسيح تؤدّي غالبًا إلى الاستشهاد في سبيله وكان الأساقفة أوّل من استشهدوا. نذكر منهم أغناطيوس الانطاكي حامل الله أي المتألّه (+110) وبوليكربوس أسقف أزمير (+155) وهذا ما جرى في معظم مدن الامبراطورية الرومانية الكبرى كرومة والاسكندرية وأورشليم وغيرها حتى يمكننا القول بأن معظم الشهداء الذي حفظ ذكرهم "كتاب السنكسار" كانوا من الأساقفة. ويستند أيضًا هذا الكلام عن كمال وقداسة الأساقفة إلى أنّ أهمّ آباء الكنيسة في القرون الست الأولى كانوا من الأساقفة الذين استحقّوا لقب"العارفين بالله" من جراء ما تركوا لنا من كتابات لا نزال نهتدي بها حتى اليوم في معرفتنا اللاهوتيّة.

هكذا كان الأساقفة قنوات تقديس وتكميل وتأليه لشعب الله عبر التاريخ وهكذا يبقون اليوم شرط أن يستمرّوا حاملين النعمة الالهية المعطاة لهم كما جاء في "كتاب الكهنوت" المشار إليه "فرئيس الكهنة يمتاز بوضع الانجيل على رأسه (وقت سيامته) لأنّه القوّة المكمّلة لسائر الأسرار وله أيضًا فهم سائر الأسرار الممنوحة من الله. لذلك يجب أن توضع على رأسه الكلمات الحيّة (كتاب الإنجيل) التي تُعلن اللاهوت وتوضح أعمال التدبير الإلهي التي تمّت في الربّ يسوع" (ص. 79).

ثانيًا: الحياة الرهبانية في الكنيسة

يمكننا أن نصف الحركة الرهبانية كما ظهرت بطريقة عفويّة في الكنيسة، بأنّها التزام جذري لا يقبل المساوة بالمسيح وبعمله الخلاصي. إنّها سير وراء المسيح على درب صليبه في سبيل خلاص العالم. هذا هو هدف كلّ المؤمنين بالمسيح، لكنّ الحركة الرهبانيّة تمتاز بأنّها تُزيل كلّ عائق بإمكانه أن يُعيقَ سيرها على هذا الدرب. هكذا عاشت الجماعات المسيحيّة الأولى وعلى منوالها تسير الحركة الرهبانيّة في الكنيسة.

لقد حدّد الرّب يسوع عمله الخلاصي جهادًا ضدّ قوى الشرّ العاملة في البشرية وهو يهدف إلى بناء ملكوت الله بين البشر. إنّه عملية تحرير الانسان من الشرّ وإعادته إلى بنوّة الله كما خُلق "على صورة الله ومثاله" قادرًا أن يشترك بحياة الله وسعادته وحبّه. كان جهاد الربّ يسوع قاسيًا جدًّا أوصله إلى الصليب، ومن على الصليب خلّص البشر بخضوعه للشرّ وبالإنتصار عليه بالقيامة. لهذا طلب يسوع من المؤمنين به أن يسيروا على خطاه "حاملين كلّ يوم صليبه" (راجع لوقا 9: 23).

لقد أخذ المؤمنون الأولّون كلام المسيح هذا على محمل الجدّ، واعتبروا أنفسهم سائرين على خطاه في حمل صليبهم. هذا ما يظهر لنا جليًّا من قراءة كتاب أعمال الرسل، إذ نرى الجماعات المسيحية الأولى ملتزمة بعمل المسيح الخلاصي في العالم حتى الموت على صليب الشهادة.

لم تفهم هذه الجماعات ذاتها دينًا جديدًا أسّسه الرّب يسوع، بل اعتبرت ذاتها استمرارًا لعمله الخلاصي، تحقّق أهداف الله الخلاصية الشاملة جميع البشر. لم يكن همّها تكوين ذاتها بل متابعة عمل المسيح الخلاصي في البشرية منقادةً في ذلك بالروح القدس الذي منحها إيّاه الربّ يسوع بعد قيامته. كانت حياة المسيحيين كفرًا بالذات وحملاً لصليب المسيح في مواجهة المجتمع الذي رفض المسيح، فكانت الشهادة والاستشهاد قبلة أنظارهم.

هكذا عاش المؤمنون وأساقفتهم الى أن اعترفت بهم الامبراطورية الرومانيّة دينًا رسميًّا في أوائل القرن الرابع، عندئذٍ ابتدأت المسيحيّة تتمظهر اجتماعيًّا وتهتمّ بتحديد بنيتها وهذا ما فعلته في المجمع المسكوني النيقاوي الأوّل سنة 325. كان لا بدّ من هذا العمل بعد أن دخلت في المسيحية جموع غفيرة أدخلت معها تشويشًا في بنيتها البسيطة ذات الطابع الكريسماتي تحت تأثير الروح القدس الذي كان يعمل بطريقة جليّة في الجماعات المسيحيّة المستترة خوفًا من الاضطهادات.

ولكن بينما كانت الكنيسة الرسمية منشغلة بتنظيم هيكليتها ضمن الامبراطورية، بقيت جماعات كثيرة وأفراد عديدون متمسّكين بنمط الحياة الموروث من الجماعات الرسولية الأولى، عائشين في الزهد عن هذا العالم، حاملين صليبهم وسائرين وراء المسيح في معركته ضدّ قوى الشرّ العاملة في البشريّة وفي إحلال ملكوت الله على الأرض.

لقد تميّز الشرق السرياني والمصري بين سائر أنحاء الأمبراطورية الرومانية باحتضانه بكثافة مثل هذه الجماعات والأفراد النسكية والسبب في ذلك أنّ مجد هذه الأمبراطورية لم يستهوهم منذ البداية لكونهم بقوا ثقافيًّا وحضاريًّا خارجها.

لكن هذا لا يعني أن باقي أنحاء الأمبراطورية لم تعرف مثل هذه الجماعات النسكيّة التي كانت بمثابة القلب النابض في كنيسة المسيح. منها كان الأساقفة العظام والمعلّمون الكبار ويظهر ذلك خلال القرن الرابع الذي لم يكن يعرف بعد التنظيم الرهباني. من هؤلاء الكبار في القرن الرابع نعرف مثلا الأساقفة الأربعة الذين عايشهم القديس افرام في نصيبين وأشاد بفضائلهم: يعقوب النصيبيني معلمّه (+338) وبابو (+343) وولناش (+361) وابراهيم. هؤلاء كلّهم كانو ينتمون حسب القديس افرام الى المدرسة النسكية في منطقة نصيبين. وينطبق هذا ايضًا على انطاكيا حيث المعلمون الكبار يديرون مدارس لاهوتية كانت بمثابة بيوت نسكية منها تخرّج أساقفة كبار مثل تيودورس الطرسوسي (+391) وتيادورس المصيصي (+428) ويوحنا فم الذهب (+407) وتيودورتس القورشي (+459) وغيرهم كثر في الشرق الانطاكي وباسيليوس (+379) وغريغوريوس النزينزي (+391) في الكبادوك ومرتينوس أسقف تور (+397) واغوسطينوس أسقف هيبون (+430). هؤلاء كلّهم لم يكونوا رهبانًا بالمعنى الحديث للكلمة بل كانوا ينتمون إلى الحركة النسكية في القرن الرابع التي جاءت استمرارًا لحياة الكنيسة الأولى إبّان الاضطهاد.

من هذه الحركة انبثقت الحياة الرهبانية المنظمة في الكنيسة ضمن الأديار والمحابس وقد اعتنت بها السلطات الكنسية من أساقفة وبطاركة ومجامع مسكونية ومحلية ورعتها. لم تفقد الحركة النسكية في الكنيسة، بعد تنظيمها، من تأثيرها البالغ على الحياة المسيحية وعلى مستوياتها كافّة. لقد غدت الأديار والمناسك منارات تجذب المؤمنين اليها للصلاة وللعمل وقد أصبحت رمزًا للحياة المسيحية الحقيقية ومثالاً أعلى لها.

لم يكن الرهبان من الاكليروس، لا بل كانوا يهربون من تولّي هذه الخدمة في الكنيسة لأنها تخرجهم من عزلة الدير والمناسك في حياة خفية مع المسيح الى معترك العالم. فالكهنوت مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالجماعة المسيحية. إنّه معلّمها وخادم أسرارها ومدبّرها بينما الحياة الرهبانية هي دعوة لعيش الكمال الانجيلي في الزهد والنسك والصلاة والبعد عن العالم.

ولكن هذا لم يمنع الجماعات المسيحية من اللجوء الى الأديار والمناسك لتختار لها أساقفة كما جرت العادة قبل التنظيم الرهباني. فالأسقف كما قلنا عليه أن يكون كاملاً في حياته ويكمّل المؤمنين الموكلين إليه بإعلانه لهم كلمة فيقدّسهم في إقامة الأسرار ويدبّرهم في شؤونهم الروحيّة والكنسيّة. وبما أن الأديار والمناسك كانت منبعًا للمتدرجين في الكمال الانجيلي، كان من الطبيعي أن تتّجه الكنيسة إليها لتختار أساقفتها. وهذا ما جرى في كثير من الحالات أبّان القرون الستّ الأولى من تارخ الكنيسة في الشرق وفي الغرب. ولقد تميّزت الكنيسة المارونية في هذا المجال منذ نشأتها حول دير مار مارون في القرن الثامن حتى مطلع القرن السابع عشر عندما ابتدأ خريجوا المدرسة المارونية في روما يعودون إلى الوطن معتنقين البتولية وحاملين علمًا غزيرًا لم يكن معتادًا عند الرهبان الموارنة.

خلاصة

ليس من علاقة خاصة تربط بين الأسقفية والرهبنة من حيث مهمّتُهما في الكنيسة. فالأسقفية هي للتعليم والتقديس والتدبير في سبيل بناء الجماعة المسيحية كنيسةً اي موقعًا إنسانيًّا يحيى فيه الرّب يسوع ويتابع عمله الخلاصي الشامل جميع البشر. فالكنيسة إذًا مبنيّة على الخدمة الأسقفيّة.

أما الرهبنة فليست سوى مواقع يعيش فيها بعض المسيحيين مثل الكمال الإنجيلي فتصبح منائر يهتدي بها المؤمنون في السير نحو الغاية التي لأجلها آمنوا بالمسيح وهي بناء ملكوت الله على الأرض. لهذا يرى المؤمنون في الحياة الرهبانيّة المثال الأعلى لحياتهم المسيحية في السير وراء المسيح لأجل خلاص العالم.

وأخيرًا يمكننا القول أنّ ما يجمع الاسقفيّة والرهبنة هو الكمال. فالأولى هي موهبة من الله لأجل كمال الجماعة المسيحيّة بينما الثانية هي توق إلى الكمال وتدرّج فيه.

                                                                                                                   وشكراً


 

كلمة الدكتور ربيعة أَبي فاضل 

الأب أنطوان راجح: الإنصافُ جسرٌ بين المحبّة والعدالة

 ¯    عندما قرأتُ رسالة قدسِ الأب العام سابقاً، سمعان عطالله، ورئيس أساقفة بعلبك – دير الأَحمر، حالياً، إلى إخوته الرّهبان الأنطونيّين، في ميلاد 2003، توقّفت عند قوله: "والشرُّ يحوك مشروعَهُ ليؤخّر العمليّة الإلهيّة الخلاصيّة، ويَهدمَ الكنيسة، وبالتالي، كلّ جماعةٍ مسيحيّة تُكوّن مكانَ هذا الخلاص" ، وعند حثِّه أبناءَه على تخطّي الصّعوبات ، وقهر التّحديات ، كي يظلّوا "أَيقونةَ المسيح الرائعة فيعكسوا وجه الله"... وتذكّرتُ رسالة ألكسندروس  الإسكندري الى جميع الأساقفة ضدّ آريوس، وفيها أنَّ رجالاً كفرةً، أعداءَ المسيح، راحوا يُعلّمون في الأبرشية كفراً، ويُعدّون للمسيح الدجّال، الأمر الذي حَداه على القول: "إنّه من الصّواب أن لا أصمتَ بعد، وأن أُخبرَكُم جميعاً حتّى تعرفوا الكفرة ، وتعابيرَ هرطقتهم المؤذية والخبيثة "، وعلى استحضار كلام الإنجيل : إنَّ بعضهم يَرتدّون في الأزمنة الأخيرة عن الايمان ، ويتبعون أرواحاً مُضلّة ومذاهبَ شيطانيّة"، معلناً أنّ الذين يَهدِمون ألوهيّة المسيح هم غرباءُ عن الكنيسة والإيمان. ومنذ عام 319 م حتى عام 2003، و2006 لا يزال الاضطهاد، ومعه الخبث، في الذروة، ومعهما "الصَّمت" الذي يَترك الشرَّ يتمادى في ظلامه وظلمه!

¯    وعندما قرأتُ مقدّمة أبينا سيادة الأسقف سمعان عطالله، لكتاب الأب الدكتور انطوان راجح، رئيسِ الجامعة الانطونيّة: "الرَّهبناتُ الشرقيّة في ميزان القوانين"، توقّفتُ عند إِلحاحه على أنّ الخلاص بالمحبّة وليس بالشَّريعة، بروح المسيح فينا ، وليس بالقوانين والأنظمة، ولحظتُ أنّ حذرَهُ من التواني والتّراخي والغلوّ في التحرّر من الانضباطيّة ، يوازي الحذر من الطّقوسيّة المعقّدة أو الشّريعة التي تزول ، في حين تبقى وحدَها كلمةُ الله تُمثّل القانون المثالي . وتذكّرتُ رسائلَ بولسَ الرّسول، في هذا المقام، عندما قال إنّ تبشيره ليس بالكلام فقط بل بالروح القدس وبكمال اليقين. وإنّ الشّريعة وحدها، لا توصل الى القداسة، وبالتالي، فالشريعة التي أرادها المسيح مكتوبةٌ في القلوب وفي الضّمائر. ومن المفيد هنا ، أن نتأمّل في قول الأسقف غاودُنيتوس ، كما سُجّل في قوانين مجمع سرديقيا (343): "إذا تجاسر أسقف وتعدّى القوانين التي حدّدناها ، نحن جميعاً، فعليه أن يسوّغ نفسه، وإلاّ فليُسقَط من الأُسقفيّة" فردَّ الجميع: "هذا عدل. ولا بدّ، إذاً، في ظلّ كلام سيادة الأسقف عطالله على: "تطوّر السّلطة، ونموِّ حسّ الحريّة والاستقلاليّة، داخلَ الكنيسة" وعلى أنّ القوانينَ تخضع للتطوّر والتَّغيير، وفاقاً لظروف المكان والزمان، مِنَ التمسّك بثوابتَ في حقلَي القيم والتقاليد، كي لا يكونَ التحوّلُ على حساب الجوهر.

¯    فالقوانين كانت دائماً ضروريّة لضبط السّلوك، وتمييز مَن تدعوه النّعمة ممّن تدعوه العتمة، وهذا ما حصل مع فلاتيوس، كما قالتِ المصادرُ، عندما عَيّنَ      أساقفة، وسامهم من دون إطلاع أَساقفة الأبرشيّة الآخرين، ما سبَّب انشقاقاً، فوُصف الرّجل بأنّه تَهوّرَ (رسالة مجمع نيقيا الى كنائس مصر)، وعَصا القوانين الكنسيّة وأَنظمتها، وكان له سلوك عنيف وطائش، و "أُسقفُ الكنيسة يجب أَن يتمتّع بكرامة رتبته. ومعروف أنّ المجامع ناقشت مسائل تنظيميّة عديدة، شأنَ تدبيرِ شؤون الكنيسة، والاحتفاظ بأملاكها "بعناية فائقة، وبضمير نقيّ" ، واحترامِ الإكليروس، وموضوعِ التّوبة العامّة، ومسألةِ الهراطقة، وقضايا ليتورجيّة، وكيفيّةِ انتخاب الأَساقفة، والغايةُ هي وقفُ الأمور التي تُخالف القوانين الكنسيّة. وقد قيل إنّ الاسقف يُحيي بالكمال حياة الأفراد، وهذه الحياةُ التي يَزرعها في الآخرين لِتُثمرَ ثمراً طيّباً تكون بالمحبّة وبالعدل معاً ، وبروح الانطلاق التي تتجلّى في الانضباط. من هنا مطالبة مجمع نيقيا الكنائس بالصّلاة: "كي يبقى ثابتاً ما بدا لنا صحيحاً بالله القادر على كلّ شيء، وربِّنا يسوعَ المسيح مع الرّوح القدس، له المجد". فالثابتُ الصّحيح الممتلئُ بالرّوح، لا يَخضع لأَزمنة وأمكنة وتحوّلات، لأنَّ الجمال يبقى جمالاً، بينما البشاعة تُشير الى ذاتها باستمرار، وتُحبّ المزيد من التّخريب والفوضى، ولا تستقرّ على حال!

¯    وفي هذا الصّدد ، رجّح الأب انطوان راجح أنّ الحياة الرهبانيّة كانت تستوحي ثلاثة، قبل أواخرِ القرن السّابعَ عشرَ: الانجيلَ والقلبَ والتَّقاليدَ المتوارثة. فالإنجيلُ دستورُ حياة، والقلب المشتعلُ بالعشق الإلهي يَرى الحبيب، أَمّا العاداتُ والتَّقاليد، فَهي وفاءٌ لإرث المعلّمين الأبرار. الى أن جُهّزت سلّة تَشريعات ، بين 1938 و 1990، من دون أن تَخرجَ على المثلّث الحيويّ المذكور، وبهاء المحبّة الإلهيّة.

وحاول تتبّعَ ما تُقدّمه المجامع والقوانين والتقاليد من معطيات ، حول الرّهبانيّة والتوحّد، وهي كما قال، قواعدُ ذات طابَع وقائي، وتنظيميّ- انضباطي، وعلاجيّ، وعمَل على توضيح المُصطلحات ، والقوانين، والمواقف، فميَّز القانونَ من التقليد، والتأسيسَ من الإنشاء، والقوانينَ من النَّواميس، والرّسومَ من القوانين والدّستور، والدّيرَ المستقلَّ من التّابع، والإنصافَ من العدالة... وتَحدّثَ عن العصمة، والحَطّ، والخلع، والحصن، والوقف، وغيره، ما جعل الكتاب عنيّاً، ومفيداً ، ومجالاً لإزالة الالتباس عن قضايا عديدة تهمّ الكنيسة، والرهبانيّة، وحياةَ التّرك والنّسك.

¯    ولا بدّ من إيجاز بعض الحقائق التي قدّمها النّص، فهي تُضيف على ثقافتنا الكنسيّة والروحيّة بعض الجوانب، التي تُسعفنا في عدم الصَّمت، وتَحفِزُنا على جبه التحدّيات، وتُعمّق فينا روح المسيح التي تحمينا من مغريات الدنيا، وتَقينا من أَعداء الإيمان:

أوّلاً: إنّ تخلّي الراهب عن العالم لا يَعني انكفاءَه عن المؤمنين ومناطقهم ، فهو يبشّر بملكوت الله، ويؤنجل الحياة.

ثانياً: إنّ خضوعَ الرّهبان لسلطان السّلطات الكنسيّة لا يعني أنّهم لا يتمتّعون بإدارة داخليّة خاصّة، ضمن استقلاليّة غير مطلقة. فالحقّ الحبري ، والحقّ البطريركي ، يقضيان بالتّنسيق مع الأسقف المكاني لاحتضان الرّسالة في أبرشيّته.

ثالثاً: إنّ الرهبان مطالَبون بتجنّب مظاهر البذخ والرّبح المفرط وتكديس الأموال، وتُحظَّرُ عليهم مزاولة التّجارة، وتَقَلُّدُ وظائف تَنطوي على المشاركة في ممارسة السلطة المدنيّة .

رابعاً: إنّ الرهبان مطالبون بتحصين خروجهم من الأديار وتجوالاتهم، وبالعمل على خلق انسجام بين سيرهم وقوانينهم الدّاخلية. فمَن آثر أن يكون حبيباً للعالم فقد صار عدوّاً لله، قال القديس يعقوب.

خامساً: إنّ بإمكان الرّهبان حَطُّ الرّئيس، في ظروف غير مألوفة، كالهرقطة أو الإهمال الشّديد أو بيع أملاك الدّير الى الأقرباء، وغيرهم.

سادساً: إنّ الراهب المنتَخَب أسقفاً يبقى مرتبطاً بنذوره، على الرّغم من المتغيّرات التي طرأت بفعل رتبته الجديدة، ولذلك يبقى ما يتملّكه حقّاً لمؤسّسته الرهبانيّة ما لم يُفسَّح من نَذره، كون النَّذر الدائم يجعل الأَفعال المضادّة للنُّذور غيرَ صحيحة (قانون 466).

سابعاً: على الرّاهب أن يتعلّق بالبتوليّة، وجمالِها وقداستِها، فلا يَحجزُ طاقاتٍ عاطفيّةً لأَحد، على مثال الذين أَمضوا حياتهم متوحّدين في الصّوامع والكهوف وبطون الشجر، تحت وطأة الصّقيع، وفي لهيب الشّمس. فكلّ حياة رهبانيّة، سواءٌ أتأمّليّة أم رسوليّة، هي نسكيّة.

ثامناً: إنّ انعتاق الرّاهب من الديريّة شبهُ مستحيل، إذ لا حلّ للنذور المؤبّدة، وفي حال أَعتق أيٌّ نفسه من الحصن فهو يظلّ به مرتبطاً، وفاقاً للتقاليد المتّبعة.

 

¯    ولا بدّ الآن، من ملاحظة: هناك نوعٌ من الغموض ، حول بعض الموضوعات، خصوصاً بالنِّسبة الى النّذور (العفّة، الطّاعة، الفقر) وتَطبيقِها، ومصيرِها، في أَزمنة التّحديث والتّحرّر والتفلّت من القيم. فما قرأته يحتاج إلى توضيح وليس الى تأويل، والى عبارة وليس الى إشارة. ولا شكّ في أَن الزَّمان الذي نعايشه بَدَّلَ الكَثيرَ في موقع النَّظر إلى المسألة ، لكنّه لن يُغيِّر قيمةَ القيم الروحيَّة في عمق ذاتها .

¯    إنّ هذه القوانين المكتوبة لها دورُها الإيجابي، ولو لم تكن مُنزلة. على أَنّ الأوليّة للرّوح لأنّ حالات كثيرَة، كما أشار الأب الباحث، لم تُلحظ أَو لُحِظَتْ بإلتباس، الأمر الذي يطرح احتمال زيادات قانونيّة تَسدّ ثغرات، وتتناغم مع العصر وحاجاته. لكنّ ما يجب التنبّه له هو أنّ الأشرار ومشروعَهم، وأتباعَ المسيح الدّجال، وأَبناءَ الظّّلمة، جاهزون في كلّ عصر ، لمدّ اظافرهم ومخالبهم إِلى كنيستنا ونظامِها وروحِها. ولا يجوز، ولا يمكن ، ولا يُسمح بالتراخي إزاءَهم، فإنّ المحبّة التي تستر جمّاً من الخطايا (رسالة القديس بطرس 1، ف4-8) لا يمكنها أن تُسلّم ذاتها مجدّداً للمعلّمين الكذبة الذين يَدسّون بِدَع هلاك، ويُجدّفون على طريقة الحقّ، ويلجأون الى زخرف الكلام لتشويه وجه المسيح. وقد قال عنهم القدّيس بطرس إنّهم كالحيوانات يصطادون الأبرياء، عَبيدُ فساد، يُملّقون النّفوسَ غيرَ الثّابتة... ينابيعُ لا ماءَ فيها، وغيومٌ تسوقها الزّوبعة. هؤلاء لا يعملون على تدمير التّقاليد، وحدها، بل يوهمون الأجيال بأنّ التحرّر منها هو الطّريق الى المستقبل!

¯    وبعد، أفرحني عميقاً أن أقف من جديد أمام رهبان المعهد الأنطوني، والجامعة الأنطونيّة، ووسْطَ ما بقي من زيتون على هذه التّلال المباركة، وأنحني حتّى التراب لأُقبِّله، شكراً لله على نعمةِ الرّتبة الأسقفيّة، لكم سيّدي، ونعمة التّأليف والحرص على حياة الكنيسة الأُمّ ، لكَ أبتِ. وقد سبَقَ وكتَبْتُ عنك، وعن إنجازاتك الأكاديميّة في كتابي: "نابيه: تاريخها وتراثها الثّقافي". فانا فخور بك ، كوننا من بلدة واحدة، ونَحمل روحيّةَ رهبنةٍ واحدة، هي الرَّهبنة الأنطونية المباركة.

 

كلمة الأب أنطوان راجح

رئيس الجامعة الأنطونيّة

 

الوضع القانوني للراهب المنتخب أسقفا

 "حكمة الوضيع ترفع رأسه وتجلسه في جماعة العظماء" (يشوع 11، 1) 

 لا أفضح مكتوما ان أشرت الى سطوع اتّضاع  مجبول بسعة حكمة ومعرفة في شخص راعي هذا الاحتفال وصاحب التكريم، سيادة المطران سمعان عطاالله، الراهب الانطوني، الذي لم يسع وراء الاسقفيّة، بل هي سألت عن فضائله والمواهب، فزحفت اليه مثلما  كانت تقصد النسّاك ترجوهم، أن يتسلّموا، والله القائمين معه، دفّة قيادة الكنيسة بروح الابوّة والخدمة. لقد نال حظوة احتشامه فعهد الى اسمه الشخصي برعاية ابرشيّة، يحكمها كنائب المسيح ومندوبه (ق 178)، وقلّد سلطانا شخصيا، ذاتيا، مألوفا ومباشرا، يمارس الوجه التشريعي منه بنفسه والوجهين التنفيذي والقضائي سواء بنفسه أم بواسطة النوّاب المختصّين.

انّه يعرّف بي في مقدّمة الكتاب، حتّى بعد ان تبوّأ درجة الاسقفيّة، بعبارة "أخي في الاسكيم الرهباني". بهذا التعبير انّما يظهر اكتناها جوهريا للقانون ومدلولاته، مع انّه لا يكتفي بتطابق عيشه ونهجه مع نصوص وقواعد قانونيّة. هذا ما نستشفّه ايضا من مقدّمة الكتاب. انّ من هرول حرّا مختارا الى الاقامة مع الله، وكانت سيرته اشعاعا، انبرت قاعدة حياة على غرار الاقدمين، قد لا يحتاج الى أنظمة وقوانين، وحقّ له الالتقاء مع ايريناوس القائل: "نحن لسنا بحاجة الى القانون، لانّنا فوقه محلّقون في سلوكنا الربّاني". لن أدافع عن أهميّة القوانين، فهي تحصّن نفسها بنفسها وتمتشق حاجة وضرورة بغير معاناة، ولذا أقفز مباشرة لأمحور مداخلتي حاصرا موضوعها وموجزه في الوقت المتاح بمحطّتين وانطلاقا من قانونين واحالاتهما: المحطّة الاولى- اثناء الوظيفة، والمحطّة الثانية بعد انقضائها، والقانونان  هما ق 430 و431.

 

اولا- المحطة الاولى- أثناء الوظيفة-  

1- خلافا لسائر الرتب والوظائف، لا يحتاج الراهب الذي يرقّى الى درجة الاسقفيّة الى رضى رئيسه الرهباني، لانّ هذا الرضى المعبّر عنه بالكتابة، غير مطلوب للرتب والوظائف التي تقلّد بالانتخاب من قبل سينودس أساقفة الكنيسة البطريركيّة ولا للاساقفة المعيّنين من قداسة الحبر الروماني، لانّ الاخير أيضا يعيّنهم بحريّة، وهو  رئيس رهباني، ولو خارجي، لجميع الرهبنات، أيّا تكن مرجعيّتها القانونيّة العليا.

2- يبقى الاسقف الراهب مقيّدا ببعض أوجه النذور وواجباتها، ولكنّه بحكمته يفسّح لنفسه من الواجبات النذريّة التي لا تتّفق ورتبته؛ فعليه ان يحافظ على متطلّبات نذر العفّة كاملة، امّا لجهة نذر الطاعة، فانّه يعصم من سلطان الرئيس الرهباني ويظلّ خاضعا بحكم نذر الطاعة للحبر الروماني وحده، ويضيف اليه وعدا بالطاعة للبطريرك في الشؤون التي يخضع فيها لغبطته وفقا للشرع (ق 187 البند 1).

وامّا بالنسبة الى نذر الفقر فانّه يبقى مقيّدا بعمق معانيه وبعض نتائجه، ويتحرّر من البعض الآخر، فاذا كان فقد بالنذر الرهباني الصلاحيّة لاكتساب الاموال، عنيت الراهب الناذر مؤبّدا في منظّمة أو في دير متوحّدين، فانّه يسترجع حق الاكتساب والاستخدام والانتفاع والادارة في ما يرد اليه من أموال؛ امّا الملكيّة فيقدّر اكتسابها للابرشيّة، ما لم يثبت انّها من عائداته الخاصة أو موهوبة له بصفة شخصيّة واضحة، فتعود الى مؤسسته الرهبانيّة، لانّ هذا الوجه من نذر الفقر يبقى مقيّدا له طوال العمر، ما لم يطلب انعام الخروج من الرهبانيّة ويحصل عليه.

3- وان لم يفقد بالنذر الرهباني ملكيّة الاموال، كأن يكون راهبا في جمعيّة أو ناذرا مؤقّتا، فيستعيد الاستخدام والانتفاع والادارة للأموال التي كان يملكها، والاموال التي ترد عليه فيما بعد فيكتسبها كلّها له، وبالتالي له الحق في أن يهبها أو أن يوصي بها.

4- بذلك انّه يبقى راهبا منتميا أصلا وعضويا الى الرهبانيّة، وهو أمر أقرّته صراحة مجموعة القوانين الغربيّة (ق 507) فنصّت حرفيا على ما يلي: "الراهب المرقّى الى درجة الاسقفيّة يحافظ على عضويّته في مؤسسّته الرهبانيّة". الاّ انّه في كلا المجموعتين، يفقد في المؤسسة الرهبانيّة صوته الفاعل والمنفعل، هذا ما أوضحته اللجنة الحبريّة لتفسير القوانين (اعمال الكرسي الرسولي (1986) 1323-1324). يتكلّم القانون على فقدان حق الانتخاب فقط امّا اللجنة فوسّعت فقدان الحقّ ليشمل كلّ الامور المتعلّقة بالاقتراع واحتساب الاصوات وغالبيّتها المطلقة أو النسبيّة عند الاقتضاء. امّا سائر الحقوق، فله حق المطالبة بها في حين يقيّد نفسه  بسائر الواجبات الرهبانيّة التي لا تتعارض مع وظيفته الجديدة، فلا يعفي نفسه مثلا من واجب السعي الى الكمال، أو من واجب الشراكة في القداسات في غير أيّام الآحاد المخصصّة لشعب ابرشيّته، أو من واجب تجديد النذور وغيرها من الموجبات التي يرى انّها لا تعيق مهامه الرعويّة.

          اشارة الى انّ وضع الراهب الاسقف لا يعادل الانعتاق من الحصن (Exclaustration) لانّ الراهب المنعتق يظلّ ملتزما بكامل الموجبات المتعلّقة بالنذر، وعليه أن يخلع الثوب (الاسكيم) الرهباني، ويخضع للاسقف الكنسي المكاني بدلا من رئيس ديره.

5- عند تثبيت الانتخاب من قبل الحبر الروماني، يفسّح للراهب الاسقف بطبيعة الحال من مانع الحصول على القاب الرتب والوظائف الفخريّة.

 المحطّة الثانية - بعد انقضاء مهمّته:

- امّا عند انقضاء مهمّته، فان عاد الى ديره أو منظّمته أو جمعيّته الرهبانيّة، يمكن أن يكون له الحقّ في أن ينتخب أو ينتخب، اذا سمح دستور الدير أو اللائحة الداخليّة بذلك، وعلى القوانين الرهبانيّة أن تعالج صراحة هذه الاحوال.

- يبقى ساريا القانون 211، الذي يحفظ للاسقف الابرشي المتخلّي عن وظيفته لقب أسقف شرفي للابرشيّة التي تولاّها، وبوسعه أن يحتفظ بمقرّ للسكن في الابرشيّة نفسها، ما لم يكن في بعض الحالات لظروف خاصّة قد دبّر غير ذلك امّا الكرسي الرسولي، وامّا البطريرك برضى سينودس أساقفة الكنيسة البطريركيّة اذا تعلّق الأمر بابرشيّة واقعة داخل حدود منطقة الكنيسة البطريركيّة، وعلى سينودس أساقفة الكنيسة البطريركيّة أن يعنى بتوفير معيشة ملائمة ولائقة بمقام الاسقف الشرفي، لكن مع الأخذ في الاعتبار أنّ هذا الواجب يقع أوّلا على الابرشيّة التي خدمها.

فيما يوجب القانون 431 البند 1 على من رقّي الى رتبة أو وظيفة خارج مؤسسّته الرهبانيّة، أن يعود الى مؤسسّته الرهبانيّة عند انقضاء مهمّته، يترك القانون نفسه للاسقف حق الاختيار، فله أن يبقى في الابرشيّة كما له أن يعود الى دير يتوافق عليه مع الرئيس الرهباني. عدا ذلك لم تشأ  القوانين العامة الدخول في تفاصيل هذه الامور، فتركتها لفطنة الرؤساء بعد أن رسمت الاطار العام لها، وحفظت للكرسي الرسولي أو للبطريرك برضى سينودس الاساقفة التدخّل وتدبير الامر عند الحاجة، ذلك انّ الاسقف العائد الى الدير يبقى منحلاّ من موجب الطاعة للرئيس الرهباني.

يرى بعض المحلّلين الحلّ المناسب في اقامة الاسقف المعتزل عن مهمّته في دير للمؤسسّة داخل الابرشيّة ان وجد، وينوّه بعضهم الاخر بضرورة مراعاة الرئيس العام رغبة الاسقف، في حين يستحبّ آخرون ابتعاد الاسقف عن ابرشيّته مراعاة للاسقف الخلف كما يستلطفون مثاليّة من يكل مثل هذا الاختيار الى فطنة الرئيس الرهباني، غير مشكّكين بلباقة الاخير وتدبيره.

ختاما، اني واثق كلّ الثقة بانّ سيادة المطران الجديد، الراهب الانطوني، سيلهم من خلال ممارسة خلاّقة طبع عليها، ويصبغها بمهامه الاساسيّة: التعليم والتقديس والتدبير، ما يجيز للقانونييّن أن يكملوا النصوص التشريعيّة الملائمة، بما يتوافق مع المبادىء العامة ويثريها بنهج أسقفي رهباني أصيل. وشكرا.

 

 

كلمة شكر لسيادة المطران سمعان عطاالله 

        ندوة حول كتاب صدر تتحوّل إلى تكريم من سطّر مقدّمته، مفارقة غريبة، لا يفسّرها إلاّ الحبّ، والحبّ أعمى.

        وهل من مكان للشكرِ في ديار الحبّ؟ إذا عبّرت عنه بكلمات، أخاف أن أعطّل موضوعه، وأنا به متمسّك، لا سيّما وتسلّمت الجامعة وهي طفل في أيامه الأولى، فرافقتها رئيسًا عامًا، بحيث يبقى نظري مسمّرًا عليها لتكبر وتنمو وتزدهر وتترسّخ. ولشدّة تعلقي بها أوفدت إليها في حينه من آمنت بهم ليبلغوا بها الهدف المنشود، وقد توفّقنا والحمد لله.

        وها هي اليوم بين يدي من آمنت به أيضًا وشجّعته في حينه لمتابعة تخصّصه، فانضمّ اليوم رئيسًا لفريقٍ، أعطاها من قلبه وفكره وعقله، فاجتازت مراحلها الصعبة، مراحل التأسيس الأولى ووصلت إلى محطة متقدّمة، تسمح لها بالمساهمة مع أخواتها الجامعات العريقة فتعطي مجتمعنا رسلاً يبنون الوطن بالعلم والفكر والأخلاق والحوار الهادئ والاحترام الصادق، بعيدًا عن الغوغائيّة والتهديد وتفجير الأحقاد، التي تلدها الأنانيات والمصالح الخاصة. فتحيّة ملؤها الحبّ والدعاء لرئيس جامعتنا النشيط أخي الأب أنطوان راجح ولإخوتنا الرهبان المتفانين في هذه الجامعة الواعدة ولمساعديهم الأحباء!

        تحيّةٌ مُحبّةٌ لقدس الأباتي الياس خليفه، رئيس عام الرهبانيّة اللبنانيّة، وقد ولدت صداقتنا على مقاعد الدروس الجامعيّة في روما. منذ ذلك الحين وجميعنا يلاحظُ رصانة قدسه العلميّة والأخويّة، التي خوّلته لأن يكونَ اللاهوتيَّ المشرقيَّ المميّز في الحلبات اللاهوتيّة المسكونيّة والحواريّة. له الشكرُ على مشاركته القيّمة في هذه الندوة، وقد ألقى علينا أضواءً مُشعّةً في الأسقفيّة والرهبنة عبر التاريخ.

        أما الدكتور ربيعة أبي فاضل فإنه يجمع بين العلم، وهو قمّة في حقله، وبين المحبّة التي يكنّها فؤادُهُ الطيّب، إلى رهبنةٍ، تربّى في كنفها واختزن تحتَ مظلّتها الثقافةَ والأخلاقَ والقيَم، فراحَ يفجّرُ محبّتَهُ في كلِّ أنطونيٍّ، حتى أصابتني اليوم شظاياها المشتعلة غيرَ الحارقة. قِصّةُ ربيعَة مع الأنطونيّين تصبح، عامًا بعد عامٍ، كالنبيذِ المعتَّق، لما فيها من أصالةٍ وثقة وحبّ واحترام. فله الشكرُ والمحبّة.

        والدكتور سهيل مطر، المفكّر الأديب والصديق الوفيّ، يعرف ما أكنّه له من احترامٍ وتقديرٍ وإعجاب بما يقومُ به في حقلِ عمله مع إخوتنا الرهبان المريميين وجامعتهم المزدهرة. لسهيل، في هذا النموّ والازدهار، باعه الطويل الطموح وعقله المنظّم والرؤيوي. له شكري ومحبّتي.

        وللجميع أكرِّرُ الشكرَ والدعاء سائلاً الله أن يحفظكم بنعمتِهِ ويَصونَ لبنان من كلِّ شَرٍّ وعدائيّة ويُعطيَ أبناءَهُ الحكمة اللازمة لخدمةِ رسالته بأمانة والعيش فيما بينهم بسلامٍ.

 

 

احتفال تكريمي للمطران سمعان عطاالله في الجامعة الأنطونيّة
وندوة عن كتاب "الرهبنات الشرقية في ميزان القوانين"
لرئيسها الأب أنطوان راجح

نظّمت الجامعة الأنطونيّة احتفالاً تكريميًّا رسميًّا للمطران سمعان عطاالله بعد انتخابه رئيس أساقفة أبرشية        بعلبك – دير الأحمر المارونية في قاعة كليّة الهندسة في حرم الجامعة في الحدث-بعبدا. كما أعلن أيضًا للمناسبة رئيس الجامعة الأب أنطوان راجح أن إدارة الجامعة قرّرت تأسيس "منحة عطاالله للابحاث العلميّة"، وهي "منحة سنويّة كاملة تقدّم مطلع كلّ عام لباحث في الاختصاصات التي تؤمّنها الجامعة الانطونيّة، وهكذا نحظى بتواصل حضور صاحب السيادة بحلّة يرضاها ويحبّها".

           حضر الاحتفال سفير إيطاليا في لبنان السيد فرنكو ميستريتا، وممثل السفير البابوي لويدجي غاتي المونسنيور فازفيلداس وممثل السفير الفرنسي برنار إيمييه السيد فنسنت تينيير، والنائب العام الأنطوني الأب نعمان الدكاش، وممثل وزير الخارجية السيد هنري قسطون، وممثل الوزير ميشال فرعون السيد غابي عوض، وممثل المطران بولس مطر المونسنيور يوسف مرهج، والرئيس العام الرهبانيّة الباسيلية الشويريّة قدس الأرشمندريت بولس نزها، وقنصل سان مارينو يوسف زغيب، ورئيس جامعة الروح القدس – الكسليك الأب أنطوان الأحمر، ورئيس بلدية الحدث الأستاذ أنطوان كرم، والملحق الثقافي في السفارة الأندونيسيّة السيد محمد زين العزيز.

فاضل

النشيد الوطني افتتاحًا فكلمة الأمين العام للجامعة الأنطونيّة الأب فادي فاضل الذي قال: "تجتمع أسرة الجامعة الأنطونيّة هذا المساء لتكريم المطران عطاالله. ويأتي هذا التكريم في سياق الاحتفالات التي نظمتها المؤسسات الأنطونيّة بالإضافة الى المبادرات الصديقة المحبة. من جهة أخرى، يبدو هذا التكريم مميّزًا لأنه يقام في مؤسسة ذات أهمية كبرى لحياة الإنسان والمجتمع على حد سواء. أعني بذلك الجامعة والتي هي مرادف للثقافة لا بل العنصر الضروري لحياة "تنبض" بالإنسانية. هذا التكريم من الجامعة للثقافة نهديه هذا المساء إلى المطران عطاالله الذي حفر اسمه بتواضع لافت في تاريخ الجامعة الأنطونيّة كأحد آبائها المؤسسين". كما أعلن فاضل على أنّ المسؤولين الرسميين في الدولة اللبنانية وقّعوا على المرسوم الجمهوري رقم 16403 والذي يسمح لنا بإنشاء كليات لإدارة الأعمال والإعلان والعلاج الفيزيائي." وتوّجه فاضل إلى عطاالله قائلاً: "إن الجامعة الأنطونيّة تعلن اليوم عن صدور كتيّب يضم خطاباتكم التي التقيتموها في مؤتمرات ثقافيّة وعلميّة عدّة لتكون أقوالكم سراج نور يقتدي به الباحثون عن الحقيقة. كما تعلن أيضًا الجامعة أنّها أعّدت موقعًا الكترونيًّا خاصًّا بأبرشيتكم الموقرة تنشر فيه إرشاداتكم ونشاطات الأبرشية."

 

الندوة

وللمناسبة أيضًا، نظّمت الجامعة الأنطونيّة ندوة رعاها رئيس أساقفة أبرشية بعلبك – دير الأحمر المارونية المطران سمعان عطاالله وتناولت مضمون كتاب "الرهبانيات الشرقية في ميزان القوانين" لرئيسها الأب أنطوان راجح والذي قدّم له المطران عطاالله. كما حرصت إدارة الجامعة على توزيع الكتاب الصادر عن منشورات الجامعة الأنطونيّة على المشاركين عند مدخل قاعة كليّة الهندسة في الجامعة في الحدث - بعبدا. وتحدّث في الندوة كلّ من الأباتي الياس خليفة الرئيس العام للرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة والدكتور ربيعة أبي فاضل ورئيس الجامعة الأنطونيّة مؤلّف الكتاب الأب أنطوان راجح فكلمة راعي الاحتفال رئيس أساقفة أبرشية بعلبك – دير الأحمر المارونية المطران سمعان عطاالله.

بداية تحدّث مدير الندوة الأستاذ سهيل مطر قائلاً: "اسمح لي أن أعترف لكم وأمام هذا الحضور الكريم... ومن كان منكم بلا خطيئة فليرجمني بحجر. خطيئتي الأولى: أنني لست على علاقة ودودة مع بعض رجال الدين، كما انّني لا أنتمي الى حزب الإكليروس... ربما هم، أفضل وأطيب وأطهر... وكل أفعال التفضيل، ولكنّني أشعر بالرهبة والخوف منهم. هي عقدتي، أعترف، وقد حملتها، منذ طفولتي، عندما كنت أرى خوري الضيعة، أو Ma sœur، يحمل القضيب، يهوّل، يخوّف، ينذرنا بالشيطان الرجيم. أيها الأصدقاء... الله لا يخيف ولا يخاف، وليس بحاجة الى هتافات: بالروح والدم... ولا الى من يدافع عنه، بل هو بحاجة الى من يضيء الطريق اليه. ومن نجتمع حولهم، اليوم، المؤلّف، وسيادة المطران، وقدس الأب العام، هم من هؤلاء الذين يضيئون الطريق، فشكراً لهم".

 

خليفة

  أما الرئيس العام للرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة الأباتي الياس خليفه فقد تناول في مداخلته موضوع "الأسقفية والرهبنة عبر التاريخ" معتبراً أنه " يمكننا القول أن ما يجمع الأسقفية والرهبنة هو الكمال. فالأولى هي موهبة من الله لأجل كمال الجماعة المسيحية، بينما الثانية هي توق الى الكمال وتدرّج فيه". قسم الأباتي خليفة مداخلته الى قسمين الأول تطرق فيه على "الأسقفية في الكنيسة" والثاني ركز فيه على  "الحياة الرهبانية في الكنيسة". في القسم الأول رأى خليفة أنّ المهمّة الرسولية لم تنتقل في جميع مكوّناتها الى الخدمة الأسقفية. فالأسقف لم يختره الربّ يسوع بذاته ولم يكن شاهدًا لأقواله وأعماله لا سيّما لحدث موته وقيامته كما جاء في كتاب أعمال الرسل عندما اختار الرسل متيّا ليحل مكان يهوذا الاسخريوطي: "ينبغي لواحد من الرجال الذين رافقونا طوال المدّة التي تردّد يسوع بيننا، ابتداءً من معموديّة يوحنا إلى اليوم الذي رُفع فيه عنّا، أن يكون شاهدًا معنا بقيامة الرب يسوع" (أعمال 1: 21-23). تابع قائلاً:" هكذا كان الأساقفة قنوات تقديس وتكميل وتأليه لشعب الله عبر التاريخ وهكذا يبقون اليوم شرط أن يستمرّوا حاملين النعمة الالهية المعطاة لهم كما جاء في "كتاب الكهنوت" المشار إليه "فرئيس الكهنة يمتاز بوضع الانجيل على رأسه (وقت سيامته) لأنّه القوّة المكمّلة لسائر الأسرار وله أيضًا فهم سائر الأسرار الممنوحة من الله." أما في القسم الثاني فقد أكد على "أنّه لم يكن الرهبان من الاكليروس، لا بل كانوا يهربون من تولّي هذه الخدمة في الكنيسة لأنها تخرجهم من عزلة الدير والمناسك في حياة خفية مع المسيح الى معترك العالم. فالكهنوت مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالجماعة المسيحية. إنّه معلّمها وخادم أسرارها ومدبّرها بينما الحياة الرهبانية هي دعوة لعيش الكمال الانجيلي في الزهد والنسك والصلاة والبعد عن العالم. تابع قائلاً: "ولكن هذا لم يمنع الجماعات المسيحية من اللجوء الى الأديار والمناسك لتختار لها أساقفة كما جرت العادة قبل التنظيم الرهباني. فالأسقف كما قلنا عليه أن يكون كاملاً في حياته ويكمّل المؤمنين الموكلين إليه بإعلانه لهم كلمة فيقدّسهم في إقامة الأسرار ويدبّرهم في شؤونهم الروحيّة والكنسيّة".

 

أبي فاضل

          بدوره، ركز الدكتور ربيعة أبي فاضل في مداخلته على جانب من "ايحاءات الكتاب ومقدمته قائلأً: "ولا بدّ من إيجاز بعض الحقائق التي قدّمها النّص، فهي تُضيف على ثقافتنا الكنسيّة والروحيّة بعض الجوانب، التي تُسعفنا في عدم الصَّمت، وتَحفِزُنا على جبه التحدّيات، وتُعمّق فينا روح المسيح التي تحمينا من مغريات الدنيا، وتَقينا من أَعداء الإيمان:

 

أوّلاً: إنّ تخلّي الراهب عن العالم لا يَعني انكفاءَه عن المؤمنين ومناطقهم، فهو يبشّر بملكوت الله، ويؤنجل الحياة.

ثانياً: إنّ خضوعَ الرّهبان لسلطان السّلطات الكنسيّة لا يعني أنّهم لا يتمتّعون بإدارة داخليّة خاصّة، ضمن استقلاليّة غير مطلقة. فالحقّ الحبري، والحقّ البطريركي، يقضيان بالتّنسيق مع الأسقف المكاني لاحتضان الرّسالة في أبرشيّته.

ثالثاً: إنّ الرهبان مطالَبون بتجنّب مظاهر البذخ والرّبح المفرط وتكديس الأموال، وتُحظَّرُ عليهم مزاولة التّجارة، وتَقَلُّدُ وظائف تَنطوي على المشاركة في ممارسة السلطة المدنيّة.

رابعاً: إنّ الرهبان مطالبون بتحصين خروجهم من الأديار وتجوالاتهم، وبالعمل على خلق انسجام بين سيرهم وقوانينهم الدّاخلية. فمَن آثر أن يكون حبيباً للعالم فقد صار عدوّاً لله، قال القديس يعقوب.

خامساً: إنّ بإمكان الرّهبان حَطُّ الرّئيس، في ظروف غير مألوفة، كالهرقطة أو الإهمال الشّديد أو بيع أملاك الدّير الى الأقرباء، وغيرهم.

سادساً: إنّ الراهب المنتَخَب أسقفاً يبقى مرتبطاً بنذوره، على الرّغم من المتغيّرات التي طرأت بفعل رتبته الجديدة، ولذلك يبقى ما يتملّكه حقّاً لمؤسّسته الرهبانيّة ما لم يُفسَّح من نَذره، كون النَّذر الدائم يجعل الأَفعال المضادّة للنُّذور غيرَ صحيحة (قانون 466).

سابعاً: على الرّاهب أن يتعلّق بالبتوليّة، وجمالِها وقداستِها، فلا يَحجزُ طاقاتٍ عاطفيّةً لأَحد، على مثال الذين أَمضوا حياتهم متوحّدين في الصّوامع والكهوف وبطون الشجر، تحت وطأة الصّقيع، وفي لهيب الشّمس. فكلّ حياة رهبانيّة، سواءٌ أتأمّليّة أم رسوليّة، هي نسكيّة.

ثامناً: إنّ انعتاق الرّاهب من الديريّة شبهُ مستحيل، إذ لا حلّ للنذور المؤبّدة، وفي حال أَعتق أيٌّ نفسه من الحصن فهو يظلّ به مرتبطاً، وفاقاً للتقاليد المتّبعة.

 

راجح

          أمّا رئيس الجامعة الأنطونيّة الأب أنطوان راجح وهو مؤلف الكتاب فقد عالج في كلمته الوضع القانوني للراهب المنتخب. ثمّ رأى راجح في كلمته أنه من المهم أن "يبقى الاسقف الراهب مقيّدا ببعض أوجه النذور وواجباتها، ولكنّه بحكمته يفسّح لنفسه من الواجبات النذريّة التي لا تتّفق ورتبته؛ فعليه ان يحافظ على متطلّبات نذر العفّة كاملة، امّا لجهة نذر الطاعة، فانّه يعصم من سلطان الرئيس الرهباني ويظلّ خاضعا بحكم نذر الطاعة للحبر الروماني وحده، ويضيف اليه وعدا بالطاعة للبطريرك في الشؤون التي يخضع فيها لغبطته وفقا للشرع (ق 187 البند 1)." تابع قائلاً: "امّا بالنسبة الى نذر الفقر فانّه يبقى مقيّدا بعمق معانيه وبعض نتائجه، ويتحرّر من البعض الآخر، فاذا كان فقد بالنذر الرهباني الصلاحيّة لاكتساب الاموال، عنيت الراهب الناذر مؤبّدا في منظّمة أو في دير متوحّدين، فانّه يسترجع حق الاكتساب والاستخدام والانتفاع والادارة في ما يرد اليه من أموال؛ امّا الملكيّة فيقدّر اكتسابها للابرشيّة، ما لم يثبت انّها من عائداته الخاصة أو موهوبة له بصفة شخصيّة واضحة، فتعود الى مؤسسته الرهبانيّة، لانّ هذا الوجه من نذر الفقر يبقى مقيّدا له طوال العمر، ما لم يطلب انعام الخروج من الرهبانيّة ويحصل عليه".

 

عطاالله

          ختاماً، ألقى عريف الإحتفال رئيس أساقفة أبرشية بعلبك - دير الأحمر المارونية المطران سمعان عطاالله كلمة قال فيها:" وهل من مكان للشكر في ديار الحبّ؟ إذا عبّرت عنه بكلمات، أخاف أن أعطّل موضوعه، وأنا به متمسّك، لا سيّما وتسلّمت الجامعة وهي طفل في أيامه الأولى، فرافقتها رئيساً عاماً، بحيث يبقى نظري مسمّراً عليها لتكبر وتنمو وتزدهر وتترسّخ. لشدة تعلقي بها أوفدت اليها في حينه من آمنت بهم ليبلغوا بها الهدف المنشود، وقد توفّقنا والحمد لله."

          أضاف:" وها هي اليوم بين يدي من آمنت به أيضاً وشجّعته في حينه لمتابعة تخصّصه، فانضمّ اليوم رئيساً لفريقٍ، أعطاها من قلبه وفكره وعقله، فاجتازت مراحلها الصعبة، مراحل التأسيس الأولى ووصلت الى محطة متقدّمة، تسمح لها بالمساهمة مع أخواتها الجامعات العريقة فتعطي مجتمعنا رسلاً يبنون الوطن بالعلم والفكر والأخلاق والحوار الهادئ والإحترام الصادق، بعيداً عن الغوغائيّة والتهديد وتفجير الأحقاد، التي تلدها الأنانيات والمصالح الخاصة. فتحية ملؤها الحبّ والدعاء لرئيس جامعتنا النشيط أخي الأب أنطوان راجح ولإخوتنا الرهبان المتفانين في هذه الجامعة الواعدة ولمساعديهم الأحباء!